اخر الاخبار

رغم أن بيانات الربع الأول من عام 2026 تبدو ظاهرياً مستقرة من ناحية حجم الإيرادات، إلا أن القراءة المتعمقة للأرقام تكشف أن الاقتصاد دخل فعلياً منذ نيسان في مرحلة ضغط مالي حاد، مرشحة للتفاقم خلال أيار الحالي، مع استمرار تراجع الصادرات النفطية وتقلص التدفقات الدولارية إلى مستويات غير مسبوقة، مقارنة باحتياجات الإنفاق الحكومي.

وبحسب بيانات وزارة المالية، بلغت إيرادات العراق خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام أكثر من 25.2 تريليون دينار، منها 21.2 تريليون دينار إيرادات نفطية، أي أن النفط وحده شكّل نحو 84% من إجمالي موارد الدولة، مقابل مساهمة محدودة للإيرادات غير النفطية لم تتجاوز 16%.

لكن هذه الأرقام تعكس واقع الربع الأول فقط، أي قبل الانخفاض الحاد الذي ضرب صادرات النفط في نيسان، والذي أدى إلى تراجع الإيرادات الشهرية إلى أكثر من مليار و87 مليون دولار فقط، وفق إحصائيات شركة سومو.

وهنا تكمن نقطة التحول الأخطر؛ لأن النفقات الجارية وموازنة العراق بُنيت أساساً على تدفقات نفطية شهرية، بينما تشير الأرقام الحالية إلى فجوة تمويلية كبيرة بين الإيرادات الفعلية والإنفاق المطلوب.

فعند تحليل جانب النفقات، يتضح أن الحكومة أنفقت خلال ثلاثة أشهر فقط أكثر من 25.9 تريليون دينار، أي بعجز فعلي تجاوز 658 مليار دينار حتى قبل الدخول في أزمة نيسان وأيار النفطية.

الأخطر أن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب نحو أبواب تشغيلية ثابتة لا يمكن تقليصها سريعاً، إذ استحوذت الرواتب وحدها على أكثر من 15.3 تريليون دينار خلال الربع الأول، فيما تجاوزت نفقات الرعاية الاجتماعية 6.5 تريليونات دينار، إضافة إلى أكثر من 1.5 تريليون دينار لخدمة الدين العام.

بمعنى آخر، ان الدولة تحتاج شهرياً إلى سيولة ضخمة فقط لتغطية الالتزامات الأساسية، بغض النظر عن المشاريع أو النفقات الاستثمارية.

وعند إسقاط أرقام نيسان على هذا الواقع، يظهر حجم الاختلال بوضوح؛ فالإيرادات النفطية الحالية لا تبدو كافية لتغطية حتى الرواتب والرعاية الاجتماعية وحدهما، خصوصاً مع استمرار تعطل جزء كبير من الصادرات النفطية وتراجع الكميات المصدرة مقارنة بالمعدلات الطبيعية السابقة.

أما شهر أيار، فيبدو حتى الآن امتداداً مباشراً لأزمة نيسان، مع استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية، ما يعني أن الحكومة قد تواجه اختباراً مالياً حقيقياً يتعلق بإدارة السيولة وليس فقط إدارة الموازنة.

كما تكشف البيانات أن الاقتصاد العراقي ما يزال يتحرك ضمن نموذج ريعي شديد الهشاشة؛ إذ إن 84% من الإيرادات مرتبطة بمورد واحد متقلب، وهو رقم مرشح أصلا للارتفاع، في وقت تبقى فيه مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى محدودة للغاية.

وعليه، فإن أرقام الربع الأول لا تمثل حالة استقرار كما تبدو في ظاهرها، بل قد تكون آخر صورة مالية قبل الدخول في مرحلة ضغط اقتصادي أكثر تعقيداً بدأت فعلياً منذ نيسان، وتبدو مرشحة للاستمرار خلال أيار ما لم تستعد الصادرات النفطية مستوياتها الطبيعية.