في ظل تصاعد المخاوف من التدهور البيئي في البلاد، تتسع دائرة التحذيرات الصادرة عن مهتمين وناشطين بشأن المخاطر المتفاقمة للتلوث الصناعي والنفطي والحرق العشوائي للنفايات، وسط دعوات متزايدة لتشديد الرقابة وتفعيل القوانين البيئية.
في وقت تؤكد فيه تقارير رسمية تسجيل مخالفات واسعة وتحسن نسبي محدود في جودة الهواء، نتيجة إجراءات إغلاق بعض المنشآت الملوثة.
ضعف الرقابة الحكومية
يقول مرتضى الجنوبي، مهتم بالشأن البيئي، أن العراق يواجه أزمة بيئية متفاقمة نتيجة ضعف الرقابة الحكومية واستمرار التجاوزات من قبل المؤسسات الصناعية والنفطية، مشيراً إلى أن الوزارة "تقف عاجزة" أمام حجم الانتهاكات البيئية التي تشهدها البلاد.
ويضيف الجنوبي لـ"طريق الشعب"، ان المخلفات النفطية تعد اليوم الأكثر خطورة وتأثيرا على البيئة العراقية، موضحاً أن العديد من الشركات النفطية، سواء المحلية أو الأجنبية، لا تلتزم بالمعايير البيئية المفروضة للتعامل مع النفايات والمخلفات الخطرة.
ويشير إلى أن عمليات استخراج النفط تنتج عنها مخلفات سائلة وصلبة يفترض أن تعالج وتنقل إلى مواقع مخصصة للطمر أو المعالجة، إلا أن ما يحدث، بحسب وصفه، هو ترك هذه المخلفات في العراء، ما يؤدي إلى نفوق الحيوانات والطيور بسبب تعرضها المباشر لمواد سامة.
وينبه إلى أن المشكلة لا تقتصر على المخلفات النفطية فحسب، بل تمتد إلى المواد الكيميائية الخطرة التي تحتوي على مركبات مسرطنة، لافتاً إلى أن هذه المواد تدفن أحياناً بشكل عشوائي داخل التربة بدل من نقلها إلى مواقع طمر صحي أو إعادتها إلى منشآت المعالجة المختصة.
ويحذر الجنوبي من أن تسرب هذه المواد مع مياه الأمطار الى شبكات الصرف الصحي يشكل تهديدا مباشرا لصحة المواطنين، لأن ذلك يؤدي على المدى الطويل إلى تلوث المياه والمزوعات.
النفايات البلدية
وفي ما يتعلق بملف النفايات البلدية، يؤكد الجنوبي توثيقه مخالفات تتعلق بآليات تابعة للبلديات تقوم بإلقاء النفايات في ساحات مهملة قرب الأحياء السكنية، بدلاً من نقلها إلى مواقع الطمر الرسمية.
ويوضح أن هذه النفايات تحرق أحياناً داخل المناطق السكنية، ما يتسبب بانبعاث الأدخنة والغازات السامة نحو المواطنين، محذراً من التداعيات الصحية الخطيرة لهذه الممارسات، خصوصاً على الأطفال وكبار السن.
ويصف الجنوبي دور المؤسسات البيئية بأنه "ضعيف جداً"، عازياً ذلك إلى ضعف الدعم الحكومي وقلة الكوادر والإمكانات الفنية، مؤكداً أن الملف البيئي لم يحظَ حتى الآن بالأولوية المطلوبة رغم اتساع حجم الأضرار.
500 منشأة صناعية مخالفة في بغداد
وكانت وزارة البيئة أعلنت في تشرين الأول من العام الماضي عن إجراء مسح شمل 500 منشأة صناعية مخالفة للشروط البيئية في مناطق مختلفة من بغداد. بالإضافة الى إغلاق 177 معملاً لصهر المعادن (كور الصهر) غير المرخصة والمسببة للتلوث في بغداد، على خلفية صدور توجيهات لإغلاق معامل الطابوق غير المرخصة وأماكن حرق النفايات ومعامل الاسفلت وتكرير الزيوت.
وأضاف بيان الوزارة أن "الدراسات المعدة حول الواقع البيئي في العاصمة كشفت أن السبب في تلوث الهواء ناتج عن مركبات تدخل ضمن الغازات المنبعثة من تشغيل المولدات الكهربائية واستخدام الوقود غير النظيف، بالإضافة الى المصانع غير المرخصة وعمليات الحرق العشوائي للنفايات".
وبحسب الوزارة فإن "الحملات القانونية والإجراءات الرقابية أدت إلى انخفاض نسبي في نسب تلوث الهواء خلال الأشهر الأخيرة، فضلاً عن حدوث تحسن في جودة الهواء، مقارنةً مع العام السابق، نتيجة إغلاق عدد من المصانع غير القانونية".
فوضى ادارية وترهل وظيفي
من جهته، قال علي قاسم، ناشط بيئي، إن معالجة ظاهرة الحرق العشوائي تتطلب حزمة إجراءات قانونية وإدارية وتوعوية متكاملة، تبدأ من تشديد القوانين ولا تنتهي عند إشراك المجتمع في الضغط باتجاه التغيير.
وأوضح قاسم في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "الخطوة الأولى تتمثل بدفع الدولة نحو تفعيل القوانين التي تجرم أفعال الحرق العشوائي، مع اعتماد غرامات مالية رادعة تطبق بشكل صارم، بحيث تسهم أيضاً في رفد ميزانية وزارة البيئة وتعزيز قدرتها على الاستجابة للملفات البيئية المتفاقمة".
وأشار إلى أن التحديات الإدارية داخل المؤسسات الحكومية، بما في ذلك ما وصفه بـ"الفوضى الإدارية والترهل الوظيفي"، تمثل عائقاً أمام إشراك الناشطين والخبراء في إيجاد الحلول البيئية الفاعلة.
وبين أن "إشراك المختصين في صياغة الحلول وتنفيذها بشكل مشترك يحقق نتائج أفضل من الفصل بين الطرفين، لأن الحلول التي تأتي من خارج المؤسسات غالباً ما تكون أكثر مرونة وابتكاراً وأقل نمطية".
وأضاف قاسم أن التوعية المجتمعية تمثل ركيزة أساسية في الحد من هذه الظاهرة، موضحاً أن "تكثيف التوعية بمخاطر الحرق على الصحة العامة والإنسان يمكن أن يسهم تدريجياً في خلق ضغط مجتمعي مستمر، يحول اهتمام الناشطين والخبراء من نطاق النقاشات المغلقة إلى حالة من الوعي الشعبي الفاعل، الأمر الذي يدفع صناع القرار لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لمنع تكرار عمليات الحرق العشوائي".
مخلفات الحرق العشوائي
فيما حذرت المختصة في الامراض التنفسية فرح اياد "من التداعيات الخطيرة لتلوث الهواء الناتج عن الحرق العشوائي للنفايات والمخلفات"، مؤكدة أن هذه الظاهرة باتت تشكل تهديداً مباشراً للصحة العامة، ولا سيما على الفئات الأكثر هشاشة.
وقالت اياد لـ"طريق الشعب"، إن "الحرق العشوائي يؤدي إلى انبعاث غازات سامة وجسيمات دقيقة تسبب تهيجا في الجهاز التنفسي، وتزيد من حالات الربو والحساسية، وقد تتطور إلى التهابات مزمنة في الرئتين، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن الذين يُعدّون الأكثر تأثراً بهذه الملوثات".
وأضافت أن "التعرض المستمر لمخلفات التلوث، بما فيها المخلفات النفطية والمواد الكيميائية، يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة وخطيرة، من بينها بعض أنواع السرطان، نتيجة لتراكم المركبات السامة في الجسم على مدى طويل"، مشيراً إلى أن "ضعف الرقابة البيئية يضاعف من حجم هذه المخاطر الصحية".
وفي ما يتعلق بالإجراءات الوقائية، أوضحت أن "تقليل التعرض المباشر لمصادر التلوث، وارتداء الكمامات في المناطق الملوثة، وتحسين التهوية داخل المنازل، إلى جانب غسل المواد الغذائية جيدا، يمكن أن تخفف من تلك الأضرار بشكل نسبي"، لكنها شددت على أن "الحل الجذري يبقى في وقف مصادر التلوث من الأساس وتطبيق قوانين بيئية صارمة تحد من هذه الممارسات".