تواجه الحكومة الجديدة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، وسط تصاعد الانتقادات الشعبية لتراجع الخدمات واستمرار الأزمات المعيشية والبطالة والفساد، في وقت تتزايد فيه الصراعات داخل القوى السياسية على المناصب والمغانم، لا على آليات التعامل مع الملفات الحساسة.
وبين مطالبات المواطنين بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي، وضغوط القوى السياسية المتنافسة، تبدو الحكومة أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على تحقيق توازن بين الاستقرار السياسي وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والأمنية المطلوبة.
يقول مراقبون وسياسيون، أن المرحلة المقبلة ستكون مرهونة بمدى قدرة الحكومة على معالجة ملفات شائكة، أبرزها حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وتحسين قطاع الكهرباء، وتخفيف البطالة، فضلاً عن إدارة الضغوط الإقليمية والدولية المتشابكة. فيما يحذر مختصون من أن استمرار الانقسامات داخل القوى الحاكمة وغياب الإرادة السياسية الموحدة قد يعمقان حالة الاستنزاف السياسي ويعرقلان تنفيذ أي برنامج حكومي، رغم تكرار الوعود بالإصلاح والتنمية منذ سنوات.
تراجع الخدمات وتفاقم الأزمات
ويقول النائب عبد الحمزة الخفاجي ان الشارع يعيش حالة من السخط الشعبي نتيجة تراجع الخدمات وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
واضاف الخفاجي لـ"طريق الشعب"، ان المواطن العراقي، في ظل النظام الديمقراطي، يُعد المقياس الأساسي لنجاح أي حكومة، مشيراً إلى أن الواقع الحالي لا يتناسب مع حجم الإنفاق الحكومي أو حجم الديون التي باتت "مرهقة وتؤثر على قدرة الدولة حتى في تأمين الرواتب".
وتابع أن السياسات الاقتصادية لم تُترجم إلى نتائج ملموسة، لافتاً إلى أن التوقعات التي رُوّجت بشأن قوة الدينار العراقي وتحسن الوضع المالي لم تتحقق، بل شهدت العملة المحلية "تذبذباً وضعفاً انعكس حتى على القدرة الشرائية للمواطن".
وفي ملف التشغيل والاقتصاد، أشار الخفاجي إلى أن التوجه نحو القطاع الخاص والاستثمار لم ينعكس بشكل فعلي على تقليل البطالة، في وقت ما زالت فيه أعداد كبيرة من الشباب تعاني من غياب فرص العمل.
كما انتقد واقع قطاع الكهرباء، قائلاً إن البلاد لا تزال تواجه أزمات متكررة في التجهيز، مع استمرار الاعتماد على الغاز المستورد وحرق الغاز المصاحب، رغم الوعود الحكومية السابقة بمعالجة هذا الملف واستثمار موارده داخلياً.
وتطرق الخفاجي ايضاً إلى ملف الفساد، مشيراً إلى ان ما يُعرف بـ"سرقة القرن" والتعهدات الحكومية بكشف الفاسدين واستعادة الأموال لم تُترجم إلى نتائج تُذكر حتى الآن.
وفي ما يتعلق بالضرائب والرسوم، قال النائب إن هناك زيادة في الأعباء المالية المفروضة على المواطنين، بما في ذلك الرسوم الإدارية والضرائب في عدد من المؤسسات، بشكل بات يستنزف جيوب المواطنين.
كما أشار إلى الاعتماد على الاستدانة الداخلية والخارجية، معتبراً أن ذلك عكس بحد ذاته غياب رؤية اقتصادية متكاملة قادرة على تحريك عجلة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل، رغم الإمكانيات النفطية وغير النفطية والتجارية التي يمتلكها العراق.
تحديات معقدة ومتشابكة
في هذا السياق، قال النائب السابق عارف الحمامي، أن الحكومة الجديدة ستواجه ملفات معقدة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاقتصادية والإقليمية، مؤكداً أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم بالمواجهة، انما تحتاج إلى رؤية سياسية وتفاوض ودعم داخلي واسع، إضافة إلى ارتباطها بمآلات الصراع الإقليمي الدائر حالياً في المنطقة .
واضاف أن رئيس الوزراء لن يكون قادراً بمفرده على حسم هذا الملف أو غيره من الملفات المصيرية، لافتاً إلى أن حكومات سابقة كانت حاصلة على اجماع اكبر عجزت عن إنهاء هذا التحدي بسبب تشابكاته الداخلية والخارجية.
وتابع الحمامي أن الاختبار الأبرز أمام الحكومة الجديدة يتمثل في مكافحة الفساد المالي والإداري، وبشكل خاص ملف “الكوميشنات” في المشاريع والعقود، واصفاً هذه الظاهرة بأنها باتت عرفاً خطيراً يرهق خزينة الدولة ويرفع كلف المشاريع على حساب المال العام.
ونوه الحمامي الى أن التظاهرات واخرها احتجاج الخريجين القدامي يوم امس، تمثل رسالة واضحة من الشارع للحكومة الجديدة بضرورة معالجة الأزمات المتراكمة، خصوصاً ما يتعلق بملف البطالة والخريجين.
لكنه نصح بان تكون المعالجة بعيداً عن التعيين، وان تكون عبر تحريك القطاع الخاص وتفعيل الضمان الاجتماعي كحلول استراتيجية لتخفيف الضغط عن الدولة وتوفير فرص عمل حقيقية بعيداً عن الاعتماد الكامل على التوظيف الحكومي.
دور رقابي اكثر تشدداً؟
من جهته، أكد الأكاديمي والمحلل السياسي د. غالب الدعمي أن الانقسامات داخل القوى السياسية لا تمثل بالضرورة عاملاً سلبياً، وقد تسهم في تعزيز الرقابة على أداء الحكومة وتهذيب مسارها، عبر خلق حالة من المتابعة والمحاسبة السياسية المستمرة، مشيراً إلى أن شعور الحكومة بوجود أطراف تراقب أداءها يمكن أن يدفعها إلى العمل بحذر أكبر.
وقال في حديثه مع "طريق الشعب"، ان المشكلة أيضا في البرنامج الحكومي، لا تكمن في كونه مستنسخاً من برامج حكومات سابقة، وانما في مدى القدرة على تطبيقه عملياً، لافتاً إلى أن البرامج الحكومية السابقة، سواء في عهد الكاظمي أو السوداني، تضمنت طروحات جيدة، لكن التحدي الحقيقي ظل دائماً في التنفيذ.
وأشار إلى أن أولوية الحكومة الحالية يجب أن تتركز على ملف حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن نجاحها في تقويض السلاح المنفلت وتنظيمه ضمن الأطر الرسمية سيمنحها رضاً واسعاً، لأن المواطن بات ينظر إلى السلاح غير المنضبط بوصفه أحد أبرز مصادر القلق وعدم الاستقرار.
ما شكل المرحلة المقبلة؟
هذا ويرى الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي أن الانقسامات داخل الإطار التنسيقي، تعكس أزمة ثقة عميقة ترتبط بتوزيع النفوذ وآليات إدارة الدولة.
وبين التميمي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن بعض الأطراف باتت تخشى احتكار القرار التنفيذي من جهة، فيما تسعى أطراف أخرى إلى تجنب تحميلها مسؤولية أي إخفاق حكومي مقبل، ما يجعل الحكومة محاطة بتحالف هش قابل للاهتزاز أمام أي أزمة أمنية أو اقتصادية أو إقليمية كبيرة.
وأشار التميمي إلى أن الحكومة الحالية تبدو أقرب إلى "تسوية اضطرارية" أكثر من كونها شراكة سياسية متكاملة، لافتاً إلى أن غياب بعض القوى المؤثرة عن مراكز القرار سيخلق معارضة من داخل المنظومة الحاكمة نفسها، وهي معارضة أكثر خطورة من المعارضة التقليدية، لأنها تمتلك أدوات تأثير داخل البرلمان والمؤسسات الأمنية والشارع، ما قد يضع الحكومة أمام حالة استنزاف سياسي دائم عبر الضغط الإعلامي وتعطيل التشريعات ورفع سقف المطالب في الملفات الحساسة.
وبيّن أن القوى التي خرجت بحصص محدودة لن تبقى بطبيعة الحال بعيدة عن المشهد، وستتحرك كورقة ضغط لإعادة تحسين شروطها السياسية في المراحل اللاحقة، مؤكداً أن النفوذ في العراق لا يرتبط فقط بالتمثيل الوزاري، ويمتد إلى القدرة على التأثير البرلماني والشعبي والأمني، ما يعني أن ملفات الخدمات والفساد والتعيينات قد تتحول إلى أدوات لإرباك الحكومة أو فرض مفاوضات جديدة تنتزع مكاسب أكبر.
وفي ما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الحكومة المقبلة والضغوط الخارجية، أوضح التميمي أن رئيس الوزراء علي الزيدي سيواجه معادلة شديدة التعقيد بين الضغوط الأميركية الرامية إلى ضبط السلاح وتقليص النفوذ الإيراني، وبين متطلبات الحفاظ على تماسك التحالف الداخلي، خصوصاً أن بعض القوى ترى في هذه الملفات مساساً بوجودها الاستراتيجي، ما يرجح اعتماد الحكومة على أدوات تدريجية تشمل إعادة ترتيب المؤسسات الأمنية وضبط التمويل وإدارة العلاقات الخارجية بحذر، بدلاً من الذهاب إلى صدام مباشر قد يفجر التحالف الحاكم.
وأكد أن ملف السلاح سيبقى الاختبار الأخطر أمام الحكومة، نظراً لارتباطه بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء، رغم امتلاكه صلاحيات دستورية، لن يمتلك حرية الحسم الأمني الكامل دون غطاء سياسي واسع، الأمر الذي سيدفعه على الأرجح إلى خيار الاحتواء التدريجي وتنظيم النفوذ بدلاً من المواجهة المباشرة التي قد تهدد استقرار حكومته نفسها.
وفي ما يتعلق بالمناهج الوزارية، اكد على أن الأزمة الجوهرية في العراق لم تكن في البرامج تحديداً، ولا في نقصها أو المناهج الوزارية، وانما في غياب الإرادة السياسية الموحدة لتنفيذها.
وزاد على حديثه بالقول، أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 رفعت شعارات متشابهة تتعلق بالإصلاح والخدمات ومكافحة الفساد، إلا أن تضارب المصالح ومنظومة المحاصصة حالا دون تحويل تلك الشعارات إلى نتائج فعلية، ما يجعل نجاح أي حكومة جديدة مرهوناً بامتلاك قرار مستقل ومؤسسات قادرة على فرض القانون بعيداً عن الضغوط السياسية والفئوية وتغليب المصالح الضيقة.