تتزايد مؤشرات الجريمة المنظمة في العراق مع إعلان الجهات الأمنية عن تفكيك عشرات الشبكات المرتبطة بالاتجار بالبشر وتهريب العمالة والمخدرات، وسط استمرار ملاحقة المتورطين في هذه القضايا.
وبينما تتعدد أنماط الجريمة بين الاستغلال الجنسي وبيع الأطفال والابتزاز الإلكتروني، يحذر مختصون من اتساع تأثيرها على الفئات الهشة وارتباطها بعوامل اجتماعية واقتصادية معقدة، في وقت يؤكدون فيه وجود فجوات في الحماية والدعم، ما يستدعي تعزيز التنسيق بين الدولة والمجتمع لمواجهتها.
الداخلية تواصل تفكيكها
تشير بيانات صادرة عن وزارة الداخلية إلى تفكيك عشرات الشبكات المرتبطة بالاتجار بالبشر خلال عام 2025، بينها شبكات استغلال جنسي وأخرى لتشغيل النساء والأطفال، إضافة إلى تفكيك شبكات تسول يُعتقد أنها تعمل ضمن تنظيمات منظمة. كما أعلنت الوزارة ضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة تجاوزت الطنين خلال الفترة نفسها، واعتقال مئات المتورطين بين متاجرين محليين ودوليين.
وخلال الربع الأول من العام الحاي، كشفت الوزارة عن تفكيك 36 شبكة دولية ومحلية متخصصة بالاتجار بالبشر وتهريب العمالة ونزع الأعضاء البشرية ، ضمن عمليات وصفتها بالنوعية لمكافحة الجريمة المنظمة. وأوضحت الوزارة أنها تمكنت من تفكيك 21 شبكة للاستغلال الجنسي واعتقال 243 متهماً، إضافة إلى تفكيك 7 شبكات لتهريب العمالة و344 متهماً، و7 شبكات لبيع الأطفال واعتقال 16 شخصاً، فضلاً عن الإطاحة بشبكة متخصصة ببيع ونزع الأعضاء البشرية. وأكدت الوزارة استمرارها في ملاحقة هذه العصابات ضمن استراتيجية شاملة تستهدف الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتعزيز السلم المجتمعي.
السلاح المنفلت من ابرز اسباب تفشيها
من جهته، ذكر الخبير الأمني صفاء الأعسم أن الجريمة المنظمة ليست ظاهرة خاصة بالعراق، بل موجودة في جميع دول العالم وبأشكال متعددة، مشيراً إلى أن بعض القضايا تشهد تضخيماً إعلامياً، فيما يبقى العراق — مقارنة بدول العالم — خارج قائمة الدول المتقدمة في مستويات الجريمة المنظمة.
وقال الأعسم لـ"طريق الشعب"، ان الجريمة المنظمة تشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة، تبدأ من السرقة التقليدية، مروراً بالجرائم السيبرانية، وصولا إلى الابتزاز الإلكتروني وتهريب المخدرات والأسلحة.
وأوضح أن التطور التكنولوجي أسهم في ظهور أساليب جديدة للإساءة إلى المواطنين من بينها تغيير الأصوات والصور باستخدام برامج معقدة، إضافة إلى فبركة محتوى مسيء أو مخل بالشرف، مبيناً أن هذه الممارسات باتت تشكل تهديداً متزايداً للأمن المجتمعي.
وأضاف أن تفشي السلاح خارج سيطرة الدولة تُعد من أبرز أسباب تنامي بعض أشكال الجريمة، إلى جانب شبكات تهريب المخدرات والأنشطة غير القانونية الأخرى، لافتاً إلى أن هذه الجرائم "موجودة في كل دول العالم وليست حكراً على العراق".
وفيما يتعلق بالواقع العراقي، أشار الأعسم إلى أن هناك "تضخيماً إعلامياً لبعض الملفات الأمنية"، مؤكداً أن العراق لا يُصنف ضمن الدول الكبرى في الجريمة المنظمة إذا ما تمت مقارنته بدول أخرى حول العالم.
وبين أن أبرز أشكال الجرائم المنتشرة حالياً تتمثل في الابتزاز الإلكتروني، واختراق الحسابات، وسرقة الأكواد والصفحات الإلكترونية، فضلا عن استغلال مواقع التواصل الاجتماعي في عمليات التهديد والاحتيال.
كما تطرق إلى ملف التهريب، موضحاً أن أساليبه تطورت مع مرور الوقت، بدء من استخدام وسائل بدائية ووصولاً إلى شبكات منظمة تعتمد طرقاً متعددة لنقل المواد المهربة عبر الحدود.
وأشار الأعسم إلى أن مواجهة هذه الجرائم تتطلب سيطرة أكبر على الحدود، وتعزيز حماية المعلومات، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تطوير قدرات الدولة في مجال الأمن السيبراني.
وأكد أن العراق لا يزال "بلداً فتياً في مجال الإنترنت والتواصل الاجتماعي"، موضحاً أن دخول الإنترنت إلى البلاد بعد عام 2003 جعل التجربة العراقية حديثة نسبياً مقارنة بالدول المتقدمة في هذا المجال.
وتابع بالقول إن الشبكات الإجرامية العالمية تمتلك قدرات متطورة لاختراق الأنظمة غير المحصنة، معتبراً أن البنية الرقمية في العراق ما زالت تعاني من ضعف واضح في الحماية، الأمر الذي يجعلها عرضة للاختراقات بشكل كبير.
جرائم مرتبطة بالواقع الاقتصادي
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي والامني عدنان الكناني أن تصاعد معدلات الجريمة في العراق يرتبط بشكل أساسي بطبيعة النظام الحكومي ومدى قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير بيئة مستقرة للشباب، مؤكداً أن الجريمة ليست ظاهرة منفصلة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع.
وقال الكناني لـ"طريق الشعب"، إن وجود دولة تمتلك سياسات عادلة وفاعلة كفيل بالحد من انتشار الجريمة، موضحاً أن الحكومات التي توفر فرص التعليم والعمل والرعاية الاجتماعية تنجح في تقليل معدلات الانحراف والعنف داخل المجتمع.
وأضاف أن معالجة أسباب الجريمة تبدأ من دعم فئة الشباب عبر إنشاء مراكز ثقافية ورياضية وبرامج توعوية داخل المدارس والجامعات، بما يساعد على تنمية الوعي وبناء جيل قادر على تجاوز مشكلات الفقر والبطالة والجهل.
وأشار إلى أن غياب هذه المساحات والبرامج فتح المجال أمام تنامي ظواهر خطيرة، أبرزها تعاطي المخدرات والاتجار بها، لافتاً إلى أن العديد من الشباب وجدوا أنفسهم أمام فراغ كبير دفع بعضهم إلى الانخراط في أنشطة غير قانونية.
وأكد أن الحكومة تتحمل المسؤولية الكاملة في مواجهة هذه التحديات، سواء عبر فرض القانون أو من خلال إطلاق مشاريع تنموية حقيقية تستوعب الطاقات الشابة وتمنحها فرصاً للمشاركة في سوق العمل وإعادة الإعمار. داعياً إلى تبني خطط إصلاح طويلة الأمد تركز على التعليم والتنمية والاستثمار بالموارد البشرية.
وشدد على أن العراق يمتلك إمكانات كبيرة إلا أن الاستفادة منها تتطلب رؤية حكومية واضحة قادرة على تحويل الشباب من عنصر مهدد بالبطالة والانحراف إلى قوة فاعلة في بناء المجتمع.
عصابات تشتغل بعناوين إنسانية
فيما قال رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، إن ظاهرة التسول الأجنبي في العراق تقف خلفها عصابات جريمة منظمة، مبيناً أنها تمثل واحدة من أخطر صور الاتجار بالبشر، وتحولت إلى نشاط اقتصادي تستفيد منه تلك الشبكات.
وأوضح الغراوي لـ"طريق الشعب"، أن هذه العصابات تعمل على إدخال المتسولين الأجانب إلى العراق تحت عناوين مختلفة، منها العمالة والزيارات السياحية والدينية، فضلاً عن التستر بصفة لاجئين، مستغلة الثغرات القانونية والأوضاع الاقتصادية والأمنية لتنشيط هذه التجارة.
وأشار إلى أن الظاهرة شهدت تطورات جديدة خلال السنوات الأخيرة، من بينها التسول الإلكتروني والتسول الصحي، إضافة إلى استغلال عناوين المشاريع الإنسانية والاجتماعية كغطاء لممارسات مرتبطة بعصابات الجريمة المنظمة.
تهديد مباشر للفئات الهشة
أما الناشط الحقوقي مصطفى البياتي فيقول إن الجريمة المنظمة في العراق باتت تمثل تهديداً مباشراً للفئات الهشة، موضحاً أن "النساء والأطفال والعمال الأجانب هم الأكثر عرضة للاستغلال من قبل شبكات الاتجار بالبشر، سواء عبر العمل القسري أو التسول أو الاستغلال الجنسي، نتيجة ضعف الحماية القانونية والاجتماعية".
ويضيف البياتي لـ"طريق الشعب"، أن "الإجراءات الحكومية رغم وجودها ما تزال غير كافية لحماية الضحايا بشكل فعّال، فهناك فجوات واضحة في آليات الإيواء وإعادة التأهيل والدعم النفسي والقانوني، ما يجعل العديد من الضحايا عرضة لإعادة الاستغلال مرة أخرى".
ويشير إلى أن "منظمات المجتمع المدني تلعب دوراً مهماً في رصد هذه الانتهاكات وكشفها، لكنها بحاجة إلى دعم أكبر وتنسيق مباشر مع الجهات الرسمية، بما يضمن تبادل المعلومات وحماية الضحايا وتفعيل الاستجابة السريعة، لأن مواجهة الجريمة المنظمة لا يمكن أن تكون أمنية فقط، بل يجب أن تكون شراكة بين الدولة والمجتمع".