في قراءةٍ كاشفة لواقع الحريات العامة، وضع التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2026 علامات استفهام مقلقة حول المسار الديمقراطي في العراق، إثر تسجيله تراجعاً لافتاً بواقع سبع مراتب عالمية؛ حيث دق هذا الإعلان جرس إنذار، بعد ان كشف التقرير عن تراجع حاد ومقلق وضع البلاد في المرتبة 162 عالمياً، متقهقراً بسبع درجات كاملة عما كان عليه في العام الماضي.
هذا الانحدار في المؤشر الدولي، يعدُ انعكاسا صارخا لواقع مرير تآكلت فيه المكتسبات الديمقراطية الهشة، وانحسر فيه هامش المناورة أمام الكلمة الحرة التي باتت اليوم محاصرة بين ضغوط سياسية ممنهجة تهدف لتكميم الأفواه، وبيئة أمنية مضطربة تجعل من مهنة المتاعب طريقاً محفوفاً بالمخاطر المباشرة على الحياة.
4 عناصر اساسية لهذا التراجع
وشخّص التقرير اتساع فجوة الحماية، حيث رصد ضعفاً واضحاً في إجراءات حماية الإعلاميين ميدانياً وقانونياً، ما جعلهم عرضة للاستهداف المباشر، اضافة للتوظيف السياسي للقانون، وزيادة الملاحقات القضائية التي تستند إلى بنود فضفاضة، ما أدى الى نوع من "الرقابة الذاتية" القسرية لدى المؤسسات الإعلامية.
الى جانب الضيق المالي والتبعية، تسببت الأزمات المالية في إغلاق منصات مستقلة، ما عزز هيمنة الوسائل الإعلامية الممولة سياسياً، والتي تفتقر للمعايير المهنية المستقلة.
ولعل اهم ما تناوله التقرير هو تآكل الهامش الديمقراطي، حيث أشار إلى أن تراجع العراق بـ 7 مراكز هو مؤشر على تراجع عام في مؤشرات الديمقراطية وحقوق التعبير داخل البلاد.
ما دلالات هذا التراجع؟
في هذا الصدد، قال رئيس شبكة نيريج للصحافة الاستقصائية سامان نوح، إن التراجع المستمر في تصنيف العراق ضمن مؤشرات حرية الصحافة العالمية يعود بالدرجة الأساس الى الانتهاكات المتواصلة بحق الصحفيين، مشيراً إلى أن هذه الانتهاكات لم تتوقف، بل تتصاعد بين فترة وأخرى، سواء في الحكومة الاتحادية أو في إقليم كردستان.
وبين نوح في حديث مع "طريق الشعب"، أن العراق يشهد ملاحقات مستمرة للصحفيين، بعضهم تلاحقهم السلطات الاتحادية، وآخرون يواجهون ضغوطاً وملاحقات من سلطات الإقليم، فضلاً عن وجود صحفيين معتقلين وأحكام صدرت بحق عدد منهم، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على تراجع مستوى حرية الصحافة في البلاد، مع توقعات باستمرار هذا التراجع في السنوات المقبلة.
واشار الى أن المفارقة تكمن في أن العراق، رغم كونه بلداً ذا نظام تعددي وحياة سياسية تقوم على التعدد الحزبي، ويملك مساحة واسعة نسبياً من حرية التعبير مقارنة بدول المنطقة، إلا أن تصنيفه في مؤشرات حرية الصحافة غالباً ما يأتي إلى جانب دول توصف بالديكتاتورية، وتستخدم أدوات القمع السياسي ضد الإعلاميين.
وأرجع ذلك إلى استمرار الملاحقات والانتهاكات، بما في ذلك التهديدات ومحاولات الاغتيال والتصفية التي يتعرض لها صحفيون عراقيون.
وأشار إلى أن التعددية الاعلامية في العراق، من حيث عدد المنصات والمؤسسات، لا تعني بالضرورة وجود صحافة حرة ومستقلة، إذ إن جزءاً كبيراً من المشهد الإعلامي بات خاضعاً لهيمنة الصحافة الحزبية والمنصات الممولة سياسياً، مقابل تراجع واضح في مساحة الصحافة المستقلة عاماً بعد آخر.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت، خصوصاً في إقليم كردستان، توقف عدد من المؤسسات الصحفية المستقلة، بالتزامن مع توسع المنصات الحزبية المباشرة وغير المباشرة، بما يعرف بـ"إعلام الظل"، وهو مشهد يتكرر أيضاً في باقي أنحاء العراق، حيث تظهر عشرات المنصات الحزبية سنوياً مقابل انحسار المنابر المستقلة أو تراجع تأثيرها وانتشارها.
وشدد رئيس شبكة نيريج على أن المشكلة لم تعد تقتصر على الانتهاكات الأمنية والقانونية فقط، انما تشمل أيضاً تغوّل الإعلام الحزبي على حساب الصحافة الحرة، ما يهدد الدور الحقيقي للصحافة بوصفها سلطة رقابية مستقلة.
ولفت إلى أن معالجة هذا الواقع تتطلب استقراراً أمنياً شاملاً، وإنهاء ملاحقة الصحفيين، وتوفير بيئة تحمي العمل الصحفي المستقل، بعيداً عن الهيمنة السياسية والحزبية.
امتداد لتراكمات طويلة وسياسات مقيدة
من جهته، قال الصحفي أيوب حسن أن أي مؤشرات إيجابية أو سلبية تطال واقع الصحافة في العراق تعود في جوهرها الى تراكمات سنوات طويلة، مشيراً إلى أن التراجع الحاصل في حرية الصحافة لم يكن وليد اللحظة، وهو برأيه نتيجة مسار ممتد من الإشكالات البنيوية والتشريعية والإدارية.
وقال حسن لـ"طريق الشعب"، إن العراق، رغم تصنيفه في فترات سابقة ضمن مستويات أفضل نسبياً في حرية الصحافة، إلا أن الواقع الحالي يشهد تراجعاً واضحاً، مرجعاً ذلك الى أسلوب إدارة المؤسسات المعنية بالشأن الاعلامي، والتي – بحسب تعبيره – تتعامل مع الصحافة بوصفها جهة تابعة وليست سلطة رقابية حرة ومستقلة.
وأضاف أن جزءاً من المشكلة يتمثل في طبيعة تعامل الجهات الحكومية مع الصحفيين، حيث لا يُنظر إلى الصحافة كشريك رقابي مستقل، وانما كامتداد إداري يمكن توجيهه، وهو ما أسهم في تقليص هامش الحرية المتاح للعمل الصحفي.
وأشار حسن إلى أن البيئة التشريعية تمثل عاملاً إضافياً في هذا التراجع، من خلال تعدد القوانين والقرارات أو صياغة تشريعات لا تنسجم مع طبيعة العمل الصحفي، خصوصاً ما يتعلق بحق الحصول على المعلومات، مبيناً أن هذا الحق، رغم كونه أساسياً في أغلب دول العالم، لا يزال يواجه في العراق عراقيل تتمثل في بدائل قانونية تحدّ من فاعليته.
وفي السياق، ذكر أن الصحفي العراقي يصطدم غالباً بغياب تشريع واضح وفاعل يضمن الوصول إلى المعلومات وحمايتها، مقابل وجود قوانين بديلة أو متداخلة تحدّ من هذا الحق بدلاً من تنظيمه.
وحول تداعيات هذا التراجع، أوضح حسن أن خطورته تنعكس على مستويين؛ الأول عام يتمثل في صورة العراق أمام المجتمع الدولي بوصفه بلداً يعاني من ضعف في مؤشرات حرية الصحافة، أما الثاني فهو خاص يتعلق بالبيئة المهنية ذاتها، حيث يؤدي التضييق إلى ابتعاد الكفاءات الصحفية الحقيقية عن الميدان، وترك المجال أمام جهات أو أفراد قد لا يمتلكون الاستقلالية المهنية المطلوبة.
وأضاف أن هذا الواقع أسهم في خلق بيئة إعلامية مقيدة، حيث بات العمل الصحفي محكوماً بما وصفه بـ”الخطوط الحمراء”، ما يجعل هامش الاستقلالية محدوداً حتى لدى المؤسسات أو الصحفيين المستقلين.
وأكد حسن أن استمرار هذا النهج ادى الى تقويض دور الصحافة وابعادها عن دورها في الرقابة وكشف المعلومات، واثر بشكل مباشر على تطور الصحافة الاستقصائية في العراق، مشيراً إلى أن لجوء عدد من الصحفيين إلى العمل بأسماء مستعارة يعكس حجم التحديات والمخاطر التي تواجه هذا النوع من العمل.
وخلص الى القول إن معالجة هذا المسار تتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والصحافة، وضمان بيئة قانونية ومهنية تكفل حرية الوصول إلى المعلومات وتحمي العمل الصحفي من أي ضغوط أو تقييد غير مبرر.
مؤشر على بيئة إعلامية هشة
الى ذلك، اعتبر الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي أن تراجع ترتيب العراق في مؤشر منظمة "مراسلون بلا حدود" من 155 إلى 162 لا يمكن التعامل معه كرقم إحصائي عابر، بقدر وصفه مؤشراً تراكمياً يعكس تدهور البيئة الإعلامية واتساع مستوى الهشاشة التي تواجه العمل الصحفي في البلاد.
وقال التميمي لـ"طريق الشعب"، أن هذا التراجع يعكس تصاعد الضغوط الواقعة على الصحفيين، والتي تتراوح بين التهديدات المباشرة، وضعف مبدأ الإفلات من العقاب في الانتهاكات المرتبطة بالاعلام، وصولاً الى تداخل النفوذ السياسي مع المؤسسات الاعلامية، فضلاً عن قيود غير رسمية باتت – بحسب تعبيره – أكثر تأثيراً من القوانين ذاتها.
وأشار إلى أن الدلالة الأهم لهذا التراجع تتمثل في أن العراق بات يتحرك بعكس الاتجاه العالمي العام الذي يشهد توسعاً في مساحات حرية الإعلام، وهو ما ينعكس سلباً على صورة البلاد أمام المجتمع الدولي، ويؤثر في مستويات الثقة والبيئة الاستثمارية والسمعة السياسية للدولة.
وحذّر التميمي من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى ترسيخ الخوف، وتقليص مساحة الصحافة الاستقصائية، وتحويل الاعلام من أداة رقابة ومساءلة إلى ساحة للصراع والتجاذب السياسي.
واتم حديثه بالقول إن النتيجة النهائية لهذا التراجع تتمثل في إضعاف منظومة المساءلة العامة، بما يفتح المجال أمام تفاقم مستويات الفساد، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار السياسي وجودة الخدمات العامة في البلاد.
انتهاكات عام 2025
وسجل مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية أكثر من 100 انتهاك لحرية الصحافة خلال عام 2025، إضافة إلى توثيق 35 حالة خلال الربع الأول من عام 2026، ما يشير إلى استمرار الضغوط على العاملين في المجال الإعلامي.
وبحسب المركز، فإن المؤشرات تظهر تراجعاً ملحوظاً في مستوى حرية الصحافة في العراق منذ عام 2022، حيث تتراوح درجاتها بين 25 و30 نقطة، مقارنةً بمستويات سابقة تراوحت بين 45 و75 نقطة منذ عام 2003. ولا تقتصر القيود على الانتهاكات المباشرة، بل تشمل أيضًا تضييقات غير مباشرة، من بينها سيطرة الأحزاب السياسية على الفضاء الإعلامي، الأمر الذي أسهم في تقليص هامش الاستقلالية وتقييد حرية العمل الصحفي.