تبدو المتاحف العراقية، اليوم، وكأنها تقف بين ثقل التاريخ وضغط الحاضر، إذ تواجه تحديات متزايدة تتعلق بسعة المخازن وتآكل البنى التحتية، في ظل تدفق مستمر للقطع الأثرية الناتجة عن أعمال التنقيب والاسترداد.
60 بعثة تنقيبية
تقول مدير عام دائرة المتاحف العامة لمى ياس الدوري، إن "التحديات كثيرة. فالعراق بلد يمتلك مواقع أثرية عديدة، ونتاج هذه المواقع كله موجود في مخازن المتحف العراقي"، في إشارة إلى حجم الإرث الأثري الذي بات يتكدس داخل مساحات محدودة.
وتضيف الدوري لـ"طريق الشعب"، أن المتحف العراقي "يحتاج إلى عمليات صيانة متحفية خاصة بالمخازن، ويحتاج إلى توسعة وتأهيل"، لافتة إلى أن هذه المخازن لا تزال تعتمد على بنى قديمة لم تعد قادرة على استيعاب الزيادات المتواصلة في حجم المقتنيات، ما يستدعي إضافة مساحات جديدة، خصوصاً مع ارتفاع عدد البعثات التنقيبية التي وصلت هذا الموسم إلى نحو 60 بعثة، إلى جانب القطع المستلمة من الجهات الأمنية وتلك المستردة من الخارج.
وتصف د. لمى هذا الوضع بأن البنية التحتية "أصبحت ضيقة جدا وتحتاج إلى إسعاف"، وفي مقابل هذا التحدي المادي، تشير إلى جانب أكثر استقراراً يتعلق بالكوادر العاملة، إذ تؤكد أن المتحف العراقي يمتلك كادراً متخصصاً ومدرباً على أعلى المستويات، أغلبه من الشباب الحاصلين على شهادات أكاديمية، إلى جانب مشاركات تدريبية داخل وخارج العراق.
وتشدد على أن الكادر لا أواجه أي مشكلة، بل بالعكس هو من أفضل الكوادر التي مرت على المتحف، معتبرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في العنصر البشري، بل في قدم الأبنية ذاتها التي تعود إلى منتصف القرن الماضي، ما يجعل الحاجة ملحة إلى صيانة شاملة وتحديث يواكب حجم الإرث الأثري المتزايد في البلاد.
وبالحديث عن الصيانة تقول ان " عمليات الصيانة في القطاع المتحفي تنقسم إلى شقين، الأول يتعلق بصيانة المباني والمواقع الأثرية والتراثية، فيما يتمثل الشق الثاني بصيانة القطع الأثرية داخل المتاحف".
وأوضحت أن المتحف العراقي معني بشكل أساسي بصيانة القطع الأثرية، لافتة إلى أن كادره متمرس ومؤهل جداً، حيث خضع لعدة تدريبات متقدمة، أبرزها مع الجانب الإيطالي، إضافة إلى دورات تدريبية في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، فضلاً عن برامج تدريبية داخل العراق وخارجه.
وبينت أن هذا الجانب من العمل مؤمَّن من حيث الخبرات والكفاءات، إلا أن التحدي الأبرز يتمثل في توفير المعدات والمواد المختبرية اللازمة لعمليات الصيانة والترميم، والتي تعد أساسية في الحفاظ على القطع الأثرية.
وأضافت أن الأزمة المالية تشكل ضغطاً مستمراً على هذا القطاع، ما يؤدي إلى صعوبات متكررة في تأمين المستلزمات الفنية، رغم استمرار العمل وفق الإمكانات المتاحة.
حاجة ملحة لتطوير البنى المتحفية
من جهته، قال مصطفى الغزي، ممثل جامعة واسط لشؤون التراث الثقافي، أن المتاحف العراقية تمثل ركيزة أساسية في حماية الهوية الحضارية، إذ لا تقتصر وظيفتها على عرض اللقى الأثرية، بل تمتد لتكون مؤسسات علمية وثقافية تضطلع بمهمة التوثيق والصيانة وتقديم الإرث التاريخي للأجيال.
واضاف الغزي أن المتاحف تسهم في تحويل نتائج التنقيبات من مواد جامدة إلى شواهد تعكس تاريخ بلاد الرافدين وإسهاماتها في الحضارة الإنسانية، ما يجعل دعمها وتطويرها ضرورة مرتبطة مباشرة بالحفاظ على الهوية الوطنية.
وعلى مستوى الإجراءات الفنية، ذكر الغزي لـ"طريق الشعب"، أن آليات استلام ونقل القطع الأثرية شهدت تحسناً خلال السنوات الأخيرة، من خلال اعتماد خطوات أكثر تنظيماً تشمل التوثيق والجرد والتغليف، وبإشراف كوادر متخصصة. إلا أن هذا التطور، رغم أهميته، لا يلغي الحاجة إلى تحديث أكبر، خاصة في مجال استخدام التقنيات الحديثة في الحفظ الوقائي وتوفير وسائل نقل مجهزة. فالقيمة التي تحملها القطع الأثرية لا تقتصر على بعدها المادي، بل ترتبط بسياقها العلمي والتاريخي، وهو ما يتطلب عناية دقيقة منذ لحظة اكتشافها وحتى عرضها أو خزنها.
وعلى صعيد القدرة الاستيعابية، قال ان "هناك تحديا واضحا يرتبط بتزايد أعداد المكتشفات واتساع نطاق التنقيبات. فبينما تمتلك بعض المتاحف إمكانيات مقبولة ضمن حدود الدعم المتاح، إلا أن الواقع يشير إلى حاجة ملحة لتطوير البنى التحتية المتحفية وتوسعتها. ويتطلب ذلك إنشاء مخازن حديثة وقاعات عرض إضافية، إلى جانب العمل على مشروع متحف وطني كبير في بغداد، فضلاً عن تطوير المتاحف في المحافظات، بما يضمن توفير بيئات خزن وعرض مدروسة تتناسب مع طبيعة القطع الأثرية".
سجل حي لذاكرة الدولة
الكاتب والمترجم والمهتم بالآثار ياسين وليد، قال أن المتاحف العراقية تمثل أكثر من كونها فضاءات لعرض القطع الأثرية، واصفاً إياها بأنها "سجل حي لذاكرة الدولة والمجتمع"، لما تحمله من طبقات تاريخية تعكس تراكم الهوية العراقية عبر العصور.
وقال وليد لـ"طريق الشعب"، إن العراق، بوصفه مهد حضارات، يمتلك في متاحفه إرثا معرفيا وثقافيا هائلا، إلا أن التحولات السياسية المتسارعة خلال العقود الماضية أدت إلى تراجع الاهتمام بهذا الدور لصالح التركيز على الواقع الآني، ما انعكس سلباً على حضور الذاكرة التاريخية في الوعي العام.
وفي ما يتعلق بخسائر العراق نتيجة إهمال المتاحف أو تعرضها للنهب، أوضح وليد أن الضرر لا يقتصر على فقدان القطع الأثرية فحسب، بل يمتد إلى ما وصفه بـ”انقطاع السرد التاريخي”، أي تعطّل قدرة المجتمع على ربط الحاضر بجذوره الحضارية. وأضاف أن كل قطعة مفقودة تمثل فجوة معرفية يصعب تعويضها حتى في حال استعادتها لاحقاً.
وأشار إلى أن ضعف الاهتمام بالمتاحف ينعكس بشكل مباشر على وعي الأجيال الجديدة بتاريخها، مبيناً أن تراجع الزيارات المتحفية وضعف إدماج هذه المؤسسات في المناهج التعليمية جعل العلاقة مع التاريخ “علاقة نظرية أكثر منها حسية”، وهو ما يحدّ من دور المتحف كفضاء تربوي وثقافي حي.
ورأى وليد أن المتاحف يمكن أن تتحول إلى أداة فاعلة لإعادة بناء الذاكرة الجمعية وتعزيز الانتماء الوطني، في حال تم تطويرها بأساليب عرض حديثة وتفاعلية، موضحاً أن “عرض التاريخ بطريقة سردية معاصرة وربط الماضي بالحاضر يمكن أن يحوّل المتحف من مكان صامت إلى منصة حوار وطني”.
وفي ما يخص خطوات النهوض بالقطاع المتحفي، شدد على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية وتطوير الكوادر وتوسيع الشراكات الدولية، إلى جانب توفير إرادة سياسية واضحة تضع الثقافة ضمن أولويات الدولة. كما دعا إلى إشراك المدارس والجامعات في برامج زيارات منتظمة، لما لذلك من دور في تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراثها وهويتها التاريخية.