اخر الاخبار

مع حلول عيد العمال في الأول من أيار، تتجه الأنظار عادةً إلى المصانع وورش العمل التقليدية، غير أن شوارع المدن العراقية تكشف عن صورة أخرى للطبقة العاملة، أكثر حداثةً في شكلها، لكنها لا تقل قسوةً في ظروفها. عمال التوصيل، الذين يجوبون الطرقات على دراجاتهم النارية، أصبحوا جزءًا من المشهد اليومي، لكن خلف هذا الحضور الكثيف تختبئ حكايات شاقة من الاستغلال وانعدام الحماية، تعكس خللًا عميقًا في فهم حقوق العمل في زمن "اقتصاد المنصات". 

يوم عمل طويل، ولكن بلا ضمان

يبدأ يوم عمال التوصيل في ساعات مبكرة، وغالبًا ما يمتد إلى أكثر من 12 ساعة يوميًا، في سباق مفتوح مع الوقت وعدد الطلبات. هذا الجهد المضني لا يُترجم إلى دخل مستقر، بل يبقى مرهونًا بعدد الطلبات التي يُنجزها العامل. يقول مرتضى أحمد، وهو شاب يعمل في هذا المجال منذ عامين، إن يومه قد ينتهي بدخل لا يتجاوز 20 إلى 25 ألف دينار، وقد يكون أقل في الأيام الهادئة.

في عيد العمال، الذي يفترض أن يُكرّس حق العامل في أجر عادل وساعات عمل محددة، يظهر واقع هؤلاء بعيدًا عن أي معيار إنساني أو قانوني. فهم يعملون بلا عقود واضحة، ولا يتمتعون بأي شكل من أشكال الضمان أو الاستقرار.

الأجر يتآكل

ما يبدو كدخل يومي يتآكل سريعًا أمام التكاليف التي يتحملها العامل بنفسه. فالأجر يُحسب على أساس كل طلب، لكنه لا يُعد صافيًا؛ فالوقود وصيانة الدراجة وأعطال الطريق، كلها تُقتطع من جيب العامل.

مصطفى إبراهيم، وهو أب لطفلين، يوضح أن ما يجمعه في يوم كامل قد لا يكفي لتغطية نفقات عائلته بعد خصم تكاليف العمل. هذا الواقع يكشف عن معادلة غير عادلة، يتحمل فيها العامل كل الأعباء، بينما تظل الشركات بعيدة عن أي التزام فعلي تجاهه.

لا تعويض عند الإصابة

في ظل ضغط الطلبات، يضطر عمال التوصيل إلى الإسراع، ما يعرّضهم لمخاطر يومية في الطرقات المزدحمة. الحوادث ليست استثناءً، بل احتمال دائم. حسين نهاد، أحد العاملين في بغداد، يروي كيف تعرّض لكسر في ساقه إثر حادث، ما أبعده عن العمل لشهرين دون أي تعويض أو دعم.

في مناسبة مثل الأول من أيار، التي تذكّر بتاريخ النضال من أجل شروط عمل آمنة، يبدو غياب التأمين الصحي أو التعويض عن الحوادث فضيحة حقيقية؛ فالعامل هنا يواجه الخطر وحده ويدفع ثمنه من جسده ورزقه.

سطوة التقييمات ضغط غير مرئي

لا يقتصر الضغط على الجهد البدني، بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضًا، حيث تعتمد تطبيقات التوصيل على نظام تقييم يحدد مستقبل العامل داخل المنصة. تقييم سيئ، حتى لو كان بسبب الزحام أو تأخير المطعم، قد يعني تقليل عدد الطلبات أو حتى إيقاف الحساب. إياد علي، الذي يعمل في هذا المجال منذ ثلاث سنوات، يشير إلى أن هذا النظام يضع العامل تحت رحمة عوامل لا يملك السيطرة عليها، ويحوّل الزبون إلى جهة رقابية غير عادلة. هذا النوع من الضغط يعمّق هشاشة العامل، ويجعله في حالة توتر دائم. 

خارج القانون

ورغم التوسع الكبير في قطاع التوصيل، فإن العاملين فيه ما زالوا خارج أي إطار قانوني واضح، إذ لا يُعترف بهم كموظفين، ولا يحصلون على حقوق أساسية مثل الإجازات أو الضمان الاجتماعي. العامل سعد زياد الطائي، وهو خريج جامعي، يلخّص الوضع بقوله: "نعمل من دون أي ضمان، وإذا توقف التطبيق، لا أمتلك أي بديل". هذا الفراغ القانوني ليس مجرد خلل إداري، بل يعكس تجاهلًا حكوميًا واضحًا لواقع يتسع يومًا بعد يوم. ففي الوقت الذي تتغير فيه طبيعة العمل عالميًا، لا تزال السياسات المحلية عاجزة عن مواكبة هذا التحول، تاركةً آلاف الشباب في حالة هشاشة دائمة.

عيد العمال… مناسبة للمساءلة لا للاحتفال فقط

في الأول من أيار، وحين تستمر هذه الانتهاكات اليومية بحق العمال، وعمال التوصيل منهم بشكل خاص، لا يمكن الاكتفاء برفع الشعارات أو إصدار بيانات التهنئة. فما يواجهه هؤلاء ليس حالة استثنائية، بل هو امتداد لواقع أوسع تعاني منه الطبقة العاملة في البلاد، حيث تتراجع الحقوق أمام الربح، ويغيب دور الحكومة كضامن للعدالة.

بين الحاجة والكرامة

ورغم كل هذه التحديات، يواصل آلاف الشباب العمل في هذا المجال، مدفوعين بغياب البدائل. "نعرف أن الشغل متعب وما بيه أمان، لكن ماكو غيره"، يقول سجاد حسين. هذه العبارة تختصر مأزق جيل كامل، يجد نفسه بين الحاجة إلى العمل وغياب الكرامة فيه.

في عيد العمال، يبقى واقع حال عمال التوصيل تذكيرًا صارخًا بأن الكفاح من أجل الحقوق لم ينتهِ، بل تغيرت ساحاته، وأن العدالة، إن لم تشمل هؤلاء، تبقى ناقصة ومزيّفة.