في وقت تسعى فيه الحكومات المحلية إلى تحريك عجلة الاستثمار وإعادة إحياء المدن المتضررة، يفتح مشروع “البوليفارد” السياحي في مدينة الموصل باباً واسعاً للجدل بين الجهات الرسمية والناشطين البيئيين. فبينما تؤكد المؤسسات المعنية أن المشروع يقع خارج حدود الغابات الجنوبية وسيُسهم في توفير آلاف فرص العمل وتنشيط الاقتصاد المحلي، تتصاعد أصوات تحذر من تداعياته البيئية، معتبرة أنه قد يشكل بداية لتآكل المساحات الخضراء المحاذية لنهر نهر دجلة.
ويضع هذا المشروع، الممتد على مساحة واسعة قرب الجسر الخامس، المدينة أمام معادلة معقدة بين الحاجة إلى التنمية العمرانية والحفاظ على إرثها البيئي، في ظل ضعف الثقة بإدارة الملف الاستثماري وغياب حوار مجتمعي واضح. ومع تزايد الاعتراضات الشعبية، يتحول “البوليفارد” من مشروع سياحي إلى اختبار حقيقي لقدرة الجهات المعنية على تحقيق توازن دقيق بين الاقتصاد والبيئة، دون التفريط بما تبقى من “رئة الموصل” الخضراء.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه الجهات الرسمية أن المشروع يقع خارج حدود الغابات الجنوبية وسيسهم في توفير نحو 10 آلاف فرصة عمل، يرى ناشطون بيئيون وحقوقيون أن المشروع يمثل تهديداً مباشراً للإرث البيئي في نينوى، ومحاولة للتوسع العمراني على حساب المساحات الخضراء.
ويقع المشروع قرب الجسر الخامس في الجانب الأيسر من الموصل، وبمحاذاة الغابة الجنوبية ونهر دجلة، ويتضمن فندقاً و14 عمارة سكنية و162 داراً سكنية، إضافة إلى حدائق تمتد على مساحة إجمالية تبلغ 136 دونماً، بعد حصوله على موافقات من هيئة الاستثمار وبلدية الموصل وهيئة التخطيط، التي أكدت أن الموقع خارج نطاق الغابات.
حراك نيابي
وكشفت النائبة عن محافظة نينوى، أحلام الكاكئي، أمس الاثنين، عن منح شركة تركية موافقة خاصة لإنشاء مجمع سكني داخل غابات الموصل، رغم وجود قرارات سابقة تمنع الاستثمار في هذه المناطق.
وقالت الكاكئي، إن "إحدى الشركات التركية حصلت على موافقة خاصة لبناء مجمع سكني في غابات الموصل، على الرغم من وجود رفض سابق من قبل محافظ نينوى لإنشاء مشاريع سكنية داخل الغابات".
وأضافت "تفاجأنا اليوم (أمس) بصدور قرار إحالة جزء من غابات الموصل إلى الاستثمار لصالح هذه الشركة، وهو أمر يثير الاستغراب، خاصة أن الشركة دخلت العراق حديثاً".
وأكدت الكاكئي، أن أعضاء مجلس النواب سيفتحون تحقيقاً في ملف إحالة غابات الموصل إلى الاستثمار، لمعرفة الجهة التي تقف وراء هذا القرار.
خطوة أولى نحو إبادة الغابات
ويحذر الناشط البيئي أنس الطائي، رئيس مؤسسة مثابرون للبيئة، من خطورة هذا المشروع، معتبراً أنه يمثل "تجاوزاً كبيراً على الغابات" وتهديداً مباشراً لما تبقى من المساحات الخضراء في المنطقة.
يقول الطائي لـ"طريق الشعب"، إن عائدية الأرض قد انتقلت إلى هيئة الاستثمار بعد حصولها على موافقات من بغداد، الأمر الذي أضعف الموقف القانوني للمعترضين، ومنح الشركة المستثمرة مساحة قانونية واسعة للمضي فيه.
ويضيف أن إقامة أي بناء خرساني في هذه المنطقة، دون مراعاة طبيعتها البيئية، قد يشكل "الخطوة الأولى لاستقطاع بقية أجزاء الغابات" مستقبلاً.
ويشير إلى أن الأرض ظلت مهملة وغير مزروعة لعقود، لافتاً إلى أن عدداً من أشجارها ماتت نتيجة انقطاع مياه الري، مرجحاً أن يكون هذا الإهمال قد استُخدم كتمهيد لتحويلها إلى مشاريع استثمارية.
تحشيد شعبي لايقاف المشروع
ويلمح الطائي إلى أن مؤسسته تسعى الى إدراج ما تبقى من غابات الموصل ضمن التراث الطبيعي للسكان المحليين، بالتعاون مع كرسي اليونسكو في الجامعة التقنية الشمالية، مبيناً أنهم يسعون إلى تحشيد مجتمعي واسع عبر جمع تواقيع أهالي نينوى لتعزيز موقفهم القانوني في مواجهة المشروع.
ويؤكد أن نينوى تضم مساحات شاسعة من الأراضي غير المستغلة تقدر بنحو 37 ألف كيلومتر مربع، كان من الممكن توجيه الاستثمارات نحوها بدلاً من الغابات، مشيرا إلى أنه تقدم قبل عامين بطلب للحصول على قطعة أرض لتحويلها إلى مشتل نباتي ومركز بيئي تطوعي خيري، وحصل على موافقات محلية، إلا أن الإجراءات لا تزال متوقفة في إحدى الدوائر الحكومية، في وقت يمضي فيه مشروع البوليفارد بسرعة وبدعم رسمي.
ويجد الطائي أن استمرار هذا النهج في إدارة الملف البيئي قد يؤدي إلى خسارة تدريجية للمناطق الخضراء، داعياً إلى إعادة النظر في أولويات الاستثمار، بما يحقق التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة.
مشروع.. خارج حدود الغابات
وتؤكد جهات رسمية أن المشروع يحمل أبعاداً اقتصادية مهمة لمدينة الموصل؛ إذ شدد رئيس مجلس محافظة نينوى خلال مؤتمر صحفي على أن المشروع سيوفر فرصة حقيقية لتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، من خلال تشغيل نحو عشرة آلاف عامل، مؤكداً أنه لا يمس الغابات بأي ضرر كونه يقع خارج حدودها.
ويعزز هذا الطرح حديث كل من مدير استثمار نينوى ومدير بلدية الموصل، حيث أيدا المضي بالمشروع، معتبرين أنه ينسجم مع خطط التنمية والاستثمار في المحافظة.
من جانبه، أوضح رئيس الشركة المنفذة عمر منيف أن الكلفة الإجمالية للمشروع تبلغ نحو 380 مليار دينار، على أن يُنجز خلال أربع سنوات، مشيراً إلى أن التصميم يتضمن تخصيص 85 في المائة من المساحة كمناطق خضراء.
استثمارات غامضة
ويرى بندر العكيلي، ناشط محلي، أن ملف الاستثمار في محافظة نينوى، ولا سيما في الموصل، ما يزال يدار بصورة تفتقر إلى التنظيم والوضوح، الأمر الذي انعكس سلباً على ثقة المواطنين بالمشاريع المنفذة وطبيعة اختيار مواقعها.
ويقول العكيلي لـ"طريق الشعب"، إن العديد من المشاريع الاستثمارية تطرح وتنفذ بصورة عشوائية وغير منظمة، من دون وجود لوحات تعريفية أو حملات توضيح كافية تشرح طبيعة المشاريع وأهدافها، ما يخلق حالة من الغموض لدى الشارع الموصلي تجاه هذه الاستثمارات.
ويؤكد أن الجدل حول المشروع السياحي المقترح قرب غابات الموصل يعكس هذا الإشكال بشكل واضح، لافتاً إلى أن الموقع المحاذي للغابات، قرب الجسر الخامس، يُعد من المناطق الحساسة بيئياً بالنسبة لأهالي المدينة، الذين ينظرون إلى غابات الموصل باعتبارها خطاً أحمر لا يمكن المساس به.
ويوضح أن تحويل هذه المساحات إلى منتجعات أو وحدات سكنية يواجه رفضاً مجتمعياً متزايداً، خصوصاً في ظل الدعوات التي تطالب بإبقائها مناطق خضراء مزروعة ومفتوحة بدلاً من استثمارها عمرانياً.
ويشير العكيلي إلى أن بعض المشاريع التي طُرحت في فترات سابقة كانت مؤهلة للتنفيذ منذ ما قبل عام 2014، إلا أن الظروف الأمنية آنذاك عطلتها، ليعاد طرحها لاحقاً في بيئة وصفها بأنها تفتقر إلى جهة تنظيمية واضحة قادرة على ضبط مسار الاستثمار.
ويلفت إلى أن ضعف الثقة لدى المواطنين يعود أيضاً إلى منح مشاريع لشركات، بحسب وصفه، لا تتمتع بالموثوقية الكافية، إضافة إلى تأخر تنفيذ العديد من المشاريع عن السقوف الزمنية المحددة، ما عزز حالة الشك لدى الشارع بشأن جدية وجدوى هذه الاستثمارات.
ويختتم العكيلي حديثه بالتأكيد على أن استمرار هذا النهج في إدارة الاستثمار قد يفاقم فجوة الثقة بين المواطن والجهات المعنية، ما لم تتم إعادة تنظيم العملية الاستثمارية وفق معايير واضحة وشفافة تراعي البعد البيئي والمجتمعي في آن واحد.
محاولة لخنق رئة الموصل
من جهته، قال ياسين البدري، ناشط سياسي من محافظة الموصل، إن الجدل المثار حول مشروع البوليفارد السياحي قرب غابات الموصل الجنوبية يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطريقة إدارة المشاريع الاستثمارية في المناطق ذات الحساسية البيئية.
واضاف البدري لـ"طريق الشعب"، أن الموقف الرسمي الذي يؤكد وقوع المشروع خارج حدود الغابات لا يبدو كافياً لتهدئة المخاوف الشعبية، خصوصاً في ظل غياب ثقة كاملة بالإجراءات التخطيطية السابقة، ما يجعل أي توسع عمراني قريب من المساحات الخضراء محل قلق مشروع لدى الأهالي والنخب.
وتابع أن الاعتراضات البيئية والحقوقية تستند إلى رؤية تعتبر الغابات "رئة الموصل"، وبالتالي فإن أي مشروع محاذ لها قد يفتح الباب تدريجياً لتقليص المساحات الخضراء، حتى وإن بدا قانونياً خارج نطاقها.
وأشار إلى أن جوهر المشكلة لا يتعلق بالمشروع وحده، بل بغياب حوار مجتمعي واضح وشفاف قبل منح الإجازات الاستثمارية، ما يخلق حالة من الاصطدام بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.
ولفت الى المادتين 10 و13 من قانون التخطيط العمراني العراقي، تؤكدان على حظر تغيير استخدام الأرض الا بتعديل رسمي للمخطط الأساسي، كذلك تنص المادتان 31 و33 من قانون إدارة البلديات على حماية الحدائق ومنع التجاوز عليها.
ويختتم المراقب بالقول إن الحل يكمن في إعادة تقييم المواقع الاستثمارية الحساسة بيئياً وفق دراسات مستقلة وعلنية، توازن بين الحاجة إلى الاستثمار وضرورة الحفاظ على الإرث الطبيعي للمدينة.