في خضم أزمة سياسية متفاقمة وتعقيدات إقليمية متسارعة، أعاد النداء الأخير الذي أطلقه الحزب الشيوعي العراقي تسليط الضوء على عمق التحديات التي تواجه البلاد، مثيراً تفاعلاً واسعاً بين أوساط سياسية وفكرية. وبينما جاء النداء حاملاً رؤية شاملة ترتكز على استعادة السيادة، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، وكسر حالة الانسداد السياسي، تباينت قراءات المحللين بين من يجده تعبيراً وطنياً يعكس تطلعات قوى مدنية تسعى لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر تماسكاً، وبين من ربط مضامين النداء بالتحديات الإقليمية. وبالتالي فإن هذا النداء يفتح باباً لنقاش أوسع حول مستقبل التغيير في العراق، ومدى قدرة القوى السياسية والمجتمعية على تحويل التوجهات والرؤى السياسية إلى مسارات عملية في ظل موازين القوى الراهنة.
رؤية متكاملة لمسار إنقاذ وطني
وأطلق الحزب الشيوعي العراقي، أخيرا، نداءً وطنياً لحماية العراق وسيادته، حذّر فيه من خطورة المرحلة الراهنة التي تتقاطع فيها أزمة الانسداد السياسي مع تداعيات التحولات الإقليمية والدولية، وما تفرضه من تحديات على أمن البلاد واستقرارها.
وطرح النداء رؤية متكاملة لمسار إنقاذ وطني، تقوم على ثلاث ركائز أساسية، تتمثل في تعزيز السيادة عبر توحيد القرار العسكري والامني، وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء مظاهر التسلح خارج الأطر الدستورية، ومعالجة التدهور الاقتصادي من خلال إصلاح السياسات المالية وتنويع مصادر الدخل، فضلًا عن كسر حالة الجمود السياسي عبر تشكيل حكومة انتقالية تمهّد لانتخابات مبكرة وتعيد تفعيل مؤسسات الرقابة والقضاء.
كما شدد النداء على أهمية تحريك الفضاء الوطني السلمي، من خلال إشراك القوى المدنية والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع في الضغط باتجاه إصلاحات جذرية، بما يعيد بناء الدولة على أسس السيادة والعدالة والاستقرار.
انسداد سياسي وعجز
من جهته، اعتبر المنسق العام للتيار الديمقراطي، أثير الدباس، أن النداء الذي أطلقه الحزب الشيوعي "يأتي منسجماً مع طبيعة المرحلة التي يمر بها البلد، في ظل انسداد سياسي طويل وعجز القوى الحاكمة عن حسم ملف تشكيل الحكومة، رغم التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، والتي جعلت من العراق الطرف الاكثر تأثراً بها".
وقال الدباس لـ"طريق الشعب"، إن هذا النداء يتماشى في ذات الوقت مع تطلعات الشارع العراقي الباحث عن قوة مدنية وطنية، تعبّر عنه وعن مصالحه، وتعمل على إنهاء حالة الجمود السياسي.
وفي ما يتعلق بإمكانية تنفيذ البنود المطروحة، أشار إلى أن القوى السياسية المتنفذة لم تلتزم فعلياً بالدستور أو القوانين النافذة، لا سيما قانون الأحزاب الذي يمنع مشاركة الكيانات التي تمتلك أجنحة مسلحة في العملية الانتخابية، مبينًا أن هذه القوى عمدت إلى تكييف النصوص القانونية بما يخدم مصالحها.
وشدد الدباس على أن مواجهة مشاريع إقليمية كالشرق الأوسط الجديد، تتطلب من العراق امتلاك قرار وطني مستقل، بعيداً عن سياسة المحاور، بحيث تكون المصلحة العليا للدولة والمواطن هي المرجعية الوحيدة في رسم السياسات، مؤكداً أن بناء هذا المسار يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة التوازن والدور الاقليمي للعراق.
شكل من أشكال المقاومة
وضمن السياق، عدّ المحلل السياسي داوود سلمان، نداء الحزب الشيوعي بانه "يمثل تعبيراً صادقاً عن إرادة القوى الوطنية الحريصة على سيادة العراق وحماية ثرواته وتعزيز حرية الفرد"، مؤكداً أنه يحمل بعداً وطنياً يتجاوز الاطر الضيقة.
وقال سلمان في حديث مع "طريق الشعب"، أن هذا النداء يرتكز على ضرورة بناء اقتصاد وطني قوي يستند الى قرار سياسي موحد وقادر على مواكبة التحديات المقبلة، وتجاوز حالة الارتهان لمسارات إقليمية ودولية.
وأضاف سلمان، أن العراق في ظل بنيته السياسية الحالية التي وصفها بالمتهالكة، ليس أمامه من خيار سوى مباشرة إصلاحات جذرية تبدأ ببناء دولة قوية ذات قيادة وطنية واقتصاد متنوع، بعيدًا عن الانقسامات والفساد، معتبرا النداء يمثل خارطة طريق واضحة، لبناء دولة قوية.
النداء أصاب جوهر الأزمة
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي، إن النداء الشيوعي "يسلط ضوءا على أزمة حقيقية يعيشها العراق، تتمثل في الانسداد السياسي المتكرر، وضعف تطبيق القانون، واستمرار تداخل السلاح مع العمل السياسي".
وقال التميمي في حديثه مع "طريق الشعب"، إن النداء يضع إصبعه على "جوهر الأزمة"، موضحا أن إنهاء نهج المحاصصة لدى القوى السياسية القائمة على تقاسم النفوذ والسلطة في ما بينها، يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً أو ضغطاً شعبياً منظماً واستثنائياً.
وحذر التميمي من أن الوضع الراهن سمح بـ"تآكل شرعية الدولة"، مشددا على ضرورة "إعادة صياغة قواعد العملية السياسية برمتها، وليس مجرد تغيير حكومي عابر".
واشار الى أن الاصلاح الاقتصادي يجب أن يشتمل على "الحوكمة ومكافحة الفساد وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات".
وحول إشكالية السلاح خارج إطار الدولة، أكد التميمي بأن حصره "مرهون بإرادة سياسية موحدة وأدوات تنفيذية فاعلة".
النداء يحمل البنية الحاكمة المسؤولية
أما الناشط السياسي علي البهادلي، فقد أكد أن النداء "يمثل تشخيصاً واضحاً لطبيعة الصراع القائم في العراق"، مبيناً أنه يدور بين كتلتين أساسيتين: الأولى تضم قوى متنفذة راكمت السلطة والثروة عبر نظام المحاصصة والاقتصاد الريعي، والثانية تمثل غالبية الطبقات الشعبية التي تتحمل كلفة هذا النموذج، من عمال وفلاحين وكسبة وعاطلين وطبقة وسطى متآكلة.
وقال البهادلي في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن النداء يحمّل البنية الحاكمة مسؤولية إنتاج الأزمة، وليس مجرد سوء إدارتها، لافتاً إلى أنه يربط بين مفاهيم السيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي، وبين العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة. وأضاف أن النداء يطرح أدوات عملية ذات طابع طبقي، من بينها اعتماد نظام ضريبي تصاعدي، وتوجيه الإنفاق نحو الخدمات والإنتاج، واستعادة الأموال المنهوبة، بما يسهم في تقليص الفجوة بين الفئات العليا دخلاً والأغلبية المهمشة.
انهاء اقتصاد العنف
وأشار إلى أن الدعوة لحصر السلاح بيد الدولة تمثل شرطاً أساسياً لإنهاء ما وصفه بـ"اقتصاد العنف"، الذي يغذي شبكات النفوذ ويضعف قدرة الطبقات الشعبية على التنظيم والمطالبة بحقوقها.
واعتبر البهادلي أن النداء "يمثل صوت الناس الحقيقي الذي ظل مغيباً لسنوات"، مؤكداً أن الأزمة الحالية ليست عابرة، بل نتيجة مباشرة لسيطرة طبقة سياسية واقتصادية احتكرت القرار والثروة على حساب الأغلبية، مشددا على أن أي حديث عن السيادة أو الاستقرار يفقد معناه ما لم يرتبط بمعالجة قضايا البطالة والفقر وتدهور الخدمات.
وأضاف أن أهمية النداء تكمن في أنه لم يكتفِ بوصف المشكلة، بل حدد المسؤوليات وطرح خطوات تمس جوهر الخلل، من إنهاء اقتصاد المحاصصة إلى تحقيق العدالة الضريبية واسترجاع المال العام، معتبراً أن هذه المطالب تمثل الحد الأدنى لحقوق المواطنين.ودعا البهادلي إلى توسيع الضغط الجماهيري السلمي، مشيراً إلى أن التجارب أثبتت أن التغيير الحقيقي يأتي من حركة الناس المنظمة، لا من القرارات الفوقية، مؤكداً ضرورة تحويل النداء إلى فعل وتنظيم قادر على فرض معادلة جديدة يكون فيها القرار بيد الشعب.