اخر الاخبار

في بلد تتقلب فيه جودة الهواء بين لحظات تبدو "مقبولة" ونوبات تلوث حادة، لم يعد تلوث الهواء في العراق مشكلة مرتبطة بمصدر واحد أو ظرف طارئ، بل أصبح نتيجة تداخل معقد لعوامل متعددة تتوزع بين النشاط البشري والظروف البيئية.

تتشكل هذه الأزمة من انبعاثات يومية صادرة عن وسائل النقل القديمة، والمولدات الأهلية، والأنشطة الصناعية المختلفة، إلى جانب حرق النفايات والاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري في إنتاج الطاقة. ومع ذلك، لا تقف المشكلة عند هذا الحد، إذ تسهم العواصف الترابية والتصحر وتراجع الغطاء النباتي في مضاعفة حدة التلوث وتحويله من حالة مزمنة إلى موجات مفاجئة وشديدة التأثير 

تاثيرات تلوث الهواء

تقول مختصة في الامراض التنفسية، فرح إياد، أن تأثير التلوث يبدأ من لحظة استنشاق الهواء الملوث، حيث تدخل الجسيمات الدقيقة إلى الجهاز التنفسي وتصل إلى الرئتين بعمق، مسببة تهيجا في الشعب الهوائية والتهابات متكررة، وهو ما يؤدي إلى ظهور أعراض مثل السعال وضيق التنفس بشكل متكرر لدى فئات واسعة من السكان.

وتشير اياد لـ"طريق الشعب"، إلى أن هذا التهيج المتكرر يتحول مع الوقت إلى حالة مزمنة، إذ يؤدي استمرار التعرض إلى ضعف وظائف الرئة وزيادة حساسية الجهاز التنفسي، ما يرفع من احتمالية الإصابة بأمراض مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية المزمن ومرض الانسداد الرئوي، مشيرة إلى انها خلال السنوات الأخيرة بدت تتلقى الكثير من حالات الامراض التنفسية، حتى بأعراض جديدة.

وتوضح أن تلوث الهواء يساهم أيضا في تفجير ”الحالات الكامنة، بمعنى أن الأشخاص الذين يعانون من قابلية وراثية أو تاريخ مرضي بسيط قد تتحول حالتهم إلى مرض فعلي عند التعرض المستمر للملوثات، خصوصا خلال موجات الغبار أو في المناطق ذات التلوث الصناعي العالي".

وتضيف أن أقسام الطوارئ تشهد خلال فترات ارتفاع التلوث زيادة واضحة في حالات نوبات الربو الحادة وضيق التنفس، ما يعكس العلاقة المباشرة بين جودة الهواء وعدد المراجعين المصابين بأمراض تنفسية.

كما تؤكد أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تأثرا، لأن الجهاز التنفسي لديهم أكثر حساسية وأقل قدرة على مقاومة الملوثات، وهو ما يفسر ارتفاع نسب الأمراض التنفسية في هذه الفئات مقارنة بغيرها.

وتتابع بالقول إن استمرار تدهور جودة الهواء يعني عمليا استمرار ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية في المجتمع، ليس فقط عبر زيادة الحالات الحادة، بل عبر خلق قاعدة أوسع من الأمراض المزمنة على المدى الطويل.

وفي بلد يتقلب فيه الهواء بين لحظات مقبولة ونوبات اختناق جماعي، لم يعد تلوث الهواء في العراق مجرد ظاهرة بيئية عابرة، بل أزمة مركبة تتداخل فيها عوامل بشرية وطبيعية، وتنعكس بشكل مباشر على صحة المواطنين وقدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة.

احصائية الاختناق تتصاعد

يقول سيف الكرعاوي، باحث متخصص في الاعلام البيئي إن تلوث الهواء في العراق لا يمكن إرجاعه إلى سبب واحد، بل هو نتيجة تراكب عدة مصادر في ان واحد، تبدأ من نوعية الوقود المستخدم في قطاع النقل، مرورا بانتشار المركبات القديمة غير الخاضعة لرقابة الانبعاثات، وصولا إلى الاعتماد الكبير على المولدات الأهلية والتوليد الأحفوري.

ويضيف الكرعاوي لـ"طريق الشعب"، أن الانبعاثات الصناعية الصادرة عن المصافي ومحطات الطاقة ومعامل الطابوق والإسمنت، إلى جانب حرق النفايات والغاز المصاحب في الحقول النفطية، تمثل عوامل أساسية في تفاقم التلوث.

ويشير إلى أن العوامل البيئية تضاعف من حدة الأزمة، إذ تسهم العواصف الترابية والتصحر والجفاف وتراجع الغطاء النباتي في تحويل التلوث من حالة مزمنة إلى موجات حادة، تدفع بأعداد كبيرة من المواطنين إلى المستشفيات خلال فترات زمنية قصيرة.

وفي ما يتعلق بالأثر الصحي، يوضح الكرعاوي أنه لا توجد قاعدة وطنية سنوية منشورة بشكل منتظم تقدم رقما موحدا لعدد حالات الدخول إلى المستشفيات المرتبطة بتلوث الهواء، إلا أن الأرقام المعلنة خلال موجات الغبار تعطي صورة واضحة عن حجم المشكلة.

 ويبين أن وزارة الصحة أعلنت في إحدى العواصف عن معالجة نحو 3000 حالة اختناق، فيما سجل في 5 أيار 2022 أكثر من 5000 حالة مع وفاة واحدة على الأقل، إضافة إلى تسجيل أكثر من 900 حالة في موجة أخرى و515 حالة في موجة لاحقة.

ويتابع أن هذه الأرقام استمرت في الارتفاع خلال السنوات الأخيرة، إذ تم تسجيل أكثر من 3700 حالة اختناق في عاصفة رملية عام 2025 ضربت وسط وجنوب العراق، فيما دفعت عاصفة في البصرة خلال نيسان من العام نفسه أكثر من 1000 شخص إلى المستشفيات خلال يومين فقط، ما يعكس قدرة موجة غبار واحدة على إرسال مئات أو آلاف الأشخاص إلى الطوارئ خلال ساعات.

قراءة جودة الهواء

أما في ما يخص مؤشرات جودة الهواء، فيوضح الكرعاوي أن قراءتها يجب أن تتم على ثلاثة مستويات؛ فعلى المستوى اللحظي، سجلت في بغداد مساء 14 نيسان 2026 قراءة بلغت 39 وفق مؤشر جودة الهواء الأمريكي (AQI)، مع توقعات بارتفاعها إلى 71 في اليوم التالي و68 في اليوم الذي يليه. وعلى مستوى العراق، تشير البيانات إلى متوسط سنوي يبلغ نحو 107، مع تركيز للجسيمات الدقيقة (PM2.5) يصل إلى 38.1 ميكروغرام/م³.

ويضيف أن بغداد سجلت متوسطا سنويا بلغ 40.5 ميكروغرام/م³ في عام 2024، وهو ما يعادل تقريبا 111 على مؤشر AQI، ما يعني أن التعرض المزمن للتلوث يبقى مرتفعًا حتى في غياب العواصف. كما يشير إلى أن المؤشر قفز خلال النوبات الشديدة إلى مستويات خطرة، حيث سجل 185 في كانون الأول 2025، وتجاوز 150 في موجات أخرى، ما يعكس طبيعة متقلبة للهواء بين فترات هدوء نسبي ونوبات تلوث حادة.

وفي ما يتعلق بالآثار الصحية بعيدة المدى، يستند الكرعاوي إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية التي تشير إلى تسجيل 12,575 حالة وفاة في العراق عام 2016 نتيجة تلوث الهواء الخارجي، إضافة إلى أن معدل الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء المنزلي والخارجي بلغ 39 حالة لكل 100 ألف نسمة في عام 2019 ضمن إقليم شرق المتوسط.

ويختتم الكرعاوي بالإشارة إلى إشكالية تتعلق باليات التوثيق، إذ لا يوجد سجل مستقل لحالات الاختناق، حيث تدرج بعض الحالات، مثل الانتحار، ضمن نفس التصنيف، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى أرقام دقيقة تعكس الحجم الحقيقي للأزمة الصحية المرتبطة بتلوث الهواء.

تلوث يومي مستمر

من جهتها، تقول الناشطة البيئية، نجوان علي إن تلوث الهواء في بغداد لم يعد يقتصر على ما يُرى أحيان على شكل غيمة سوداء تغطي السماء، بل هو حالة أوسع وأعمق من ذلك بكثير، تمتد في الهواء بشكل غير مرئي في معظم الأحيان.

وتوضح علي لـ"طريق الشعب"، أن الخطأ الشائع هو ربط التلوث بالمشهد البصري فقط، بينما الحقيقة أن أخطر مكوناته يتمثل بالجسيمات الدقيقة والغازات التي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تبقى موجودة حتى في الأيام التي تبدو فيها السماء صافية نسبيًا.

وتضيف أن "الغيمة السوداء تمثل فقط الذروة أو اللحظة الأكثر وضوحا للتلوث، وغالبا ما تتشكل نتيجة تراكم الانبعاثات مع ظروف جوية معينة، لكنها ليست الصورة الكاملة، لأن التلوث الحقيقي مستمر يوميا عبر عوادم السيارات، والمولدات، والمصانع، وحرق النفايات، حتى في غياب أي غبار أو ضباب مرئي".

وتشير إلى أن خطورة هذا الواقع تكمن في أن المواطنين قد يظنون أن الهواء "نظيف عندما لا يرون غيمة أو غبارا، بينما المؤشرات العلمية تظهر استمرار وجود نسب مرتفعة من الملوثات الدقيقة التي تؤثر على الجهاز التنفسي على المدى الطويل".

وتختتم بالقول إن تلوث الهواء في بغداد "ليس حدثا بصريا عابرا، بل حالة مستمرة تتغير شدتها، لكنها لا تنقطع، ما يجعل التعامل معه ضرورة يومية وليس مجرد استجابة لمشهد طارئ في السماء.