اخر الاخبار

ارتفعت حالات العنف الأسري في العراق خلال عام 2025 بشكل مقلق، حيث سجل أكثر من 36 ألف حالة رسمياً، بزيادة تجاوزت 150 في المائة، ما يعكس تصاعد تلك الانتهاكات داخل المنازل؛ حيث تشير ناشطات إلى أن النساء والأطفال هم الفئات الأكثر تضرراً.

وازاء ذلك، يلتزم كثير من الضحايا الصمت بسبب ضغوط اجتماعية، وسط غياب دور الدولة في الحماية وتطبيق القانون.

36,289 ضحية كسروا حاجز الصمت

كشف المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن تسجيل 36,289 حالة عنف أسري رسمياً خلال عام 2025، في ارتفاع هائل تجاوز نسبة 150 في المائة مقارنة بعام 2024، حيث سجلت وزارة الداخلية آنذاك نحو 14 ألف دعوى فقط. وتشير هذه الأرقام إلى أن ما تم تسجيله يمثل فقط من تجرأوا على كسر حاجز الصمت، بينما يواجه العديد من الضحايا صعوبات كبيرة تمنعهم من الإبلاغ عن الانتهاكات.

ووفقا لبيانات المرصد، تصدر اعتداء الزوج على الزوجة المشهد بعدد 19,587 حالة، بينما سجلت الزوجة 5,918 حالة اعتداء على الزوج، في حين تجاوز اعتداء الأبناء الذكور على والديهم 3,112 حالة، فيما بلغت حالات اعتداء البنات على الوالدين 531 حالة. وبلغت حالات العنف بين الإخوة نحو 1,583 اعتداء من الإخوة على الأخوات و725 حالة اعتداء من الأخوات على الإخوة، أما العنف ضد الأبناء فقد سجل 1,282 حالة اعتداء من الآباء و559 حالة من الأمهات، إلى جانب 2,992 حالة اعتداءات أسرية متنوعة.

ويؤكد المرصد أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، حيث تمنع الضغوط الاجتماعية والاعتماد المالي على المعتدي والخوف من الوصمة العديد من الضحايا من الإبلاغ عن حالات العنف. كما يشير التقرير إلى أن غياب دور الإيواء الحكومية الفاعلة والفراغ التشريعي، مثل المادة 41 من قانون العقوبات، يجعل حماية الضحايا محدودة وغالباً ما تنتهي القضايا بتسويات تضيّع حقوقهم. وحذر المرصد من أن استمرار هذا الواقع قد يحول المنزل من مساحة أمان إلى بيئة خوف، مؤكدا ضرورة تشريع قانون مستقل لمناهضة العنف الأسري وتعديل قانون العقوبات وتوسيع شبكة دور الإيواء الحكومية وإطلاق برامج توعوية وطنية لحماية الأسرة وضمان كرامة الأفراد.

مشكلة متجذرة

ويعتبر العنف الأسري في العراق مشكلة متجذرة، لكنها لم تعد مجرد حالات معزولة، بل أضحى أحياناً أسلوباً للتعبير داخل الأسرةإذ تقول الناشطة النسوية فرقان نصيف، إن "العنف أصبح أسلوباً للتعبير، إذ يلجأ بعض أفراد الأسرة إلى الضرب لإيصال رسائل، ويُبرر ذلك غالباً بحجج مثل خوف الأب على ابنه أو حب الزوج لزوجته".

وتشير إلى أن الأطفال أيضاً ليسوا بمنأى عن هذا النمط، فقد يعنفهم الأهل بسبب سلوكياتهم اليومية أو مجرد قلقهم على سلامتهم، معتقدة أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تعيشها الأسر العراقية خلقت أشخاصاً غير متوازنين، يستخدمون اللغة الوحيدة التي يعرفونها للتعامل مع الآخرين، وهي الضرب: "يفرغ هؤلاء عقدهم وفشلهم بالنساء والأطفال".

وللعنف الأسري أثر طويل المدى على الأطفال، فقد يشكل سلوكهم في المستقبل، ويؤدي إلى إعادة إنتاج العنف داخل المجتمع. تقول نصيف: "خصوصاً في مرحلة الطفولة، من الصعب جداً أن ينسى الأطفال ما تعرضوا له. فقد يصبح بعضهم جلادين يمارسون العنف على أطفالهم، أو أشخاصاً ضعيفي الشخصية يعانون من عقد نفسية نتيجة التعنيف".

وتلفت إلى أن وعي الطفل وتأهيله بعد تعرضه للعنف يحددان مدى تأثير هذه التجارب على حياته المستقبلية، في ظل غياب التثقيف والتوعية الكافية حول العنف.

أما عن التبليغ عن الانتهاكات العائلية، فتؤكد نصيف أنه "ليس سهلاً، والخوف لا ينبع فقط من الوصمة الاجتماعية، بل من منظومة أبوية كاملة قد تهدد حياة المعنفات إذا حاولن التحدث".

وتشير إلى أن الحل لا يقتصر على التبليغ فقط، بل يشمل ما بعد التبليغ، من خلال نشر التوعية وكسر الصمت عبر الإعلام، وإيجاد إجراءات قانونية حقيقية تحمي الضحايا وتضمن عدم العودة إلى الجاني.

وحول الخطوات العاجلة للحد من العنف الأسري، ترى نصيف أنه من الضروري إقرار قانون واضح لمناهضة العنف الأسري وتطبيقه بشكل فعلي، مع توفير خدمات دعم نفسي واستشارات متخصصة للضحايا، وإنشاء مراكز إيواء وآمنة، وتقديم خدمات قانونية واجتماعية تساعدهم على استعادة حياتهم. كما تؤكد أن منظمات المجتمع المدني لها دور مهم في التوعية والتعاون مع المؤسسات الحكومية للحد من هذه الظاهرة المستمرة.

سلوك مباح وكشفه جريمة!

ورغم الروابط الأسرية في العراق، يزداد العنف الأسري انتشاراً بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة، وفقا لتعليم الناشطة النسوية سرى سالم.

تقول سالم أن العنف ضد النساء يعد أحد أكبر التحديات، كونه مرتبطا بضعف المنظومة القانونية أمام الأعراف والعادات العشائرية، ما يمهد الطريق لعدم الإفصاح عن حالات كثيرة للعنف ضد النساء بسبب وصمة العار الاجتماعية.

وتضيف سالم في حديث لـ "طريق الشعب" أن بعض المجتمعات ذكورية للغاية فيما يتعلق بالعنف ضد المرأة، والمشكلة الكبرى أنه في حالة الضرب تعتقد النساء أن هذا حق للرجل ويجب أن يمارسه عليهن، فتقبله المرأة، وحتى إذا رفضته، فهي لا تستطيع البوح به.

وتواصل القول أن العنف المنزلي في بعض المجتمعات يُعامل على أنه شأن عائلي "تجوز ممارسته ولكن لا يجوز الحديث عنه"، بحسب ما تنقل عن باحثين اجتماعيين وضباط شرطة.

وتلفت إلى أن معظم النساء اللواتي يتعرضن للتعذيب يتجنبن اللجوء للقانون، إذ تفرض الأعراف الاجتماعية نفسها من جديد، ومجرد دخول المرأة إلى مراكز الشرطة يعتبر "نقيصة أخلاقية تجلب لها عقاباً مضاعفاً".

وتشير التقديرات البحثية إلى أن أكثر من مليوني امرأة يتعرضن للعنف في العراق، وجزء كبير منهن يلتزمن الصمت. وتلعب العادات والتقاليد الاجتماعية التي تعتبر أقوى من القانون دوراً كبيراً في صناعة العنف وترويجه كسلوك مبرر ضد النساء، طالما حضرت الحجج، فهي تعفي صاحبها من العقاب أو حتى اللوم، وتشجعه على الاستمرار في اعتباره "أداة تأديبية"، كما تقر بعض النساء بأحقية الرجل في استخدامها. وتربط سرى سالم هذا الواقع بالتنشئة الاجتماعية التي ظلت قروناً تقبل العنف ضد المرأة باعتباره حقاً من حقوق الرجل.

وتختم أن هناك سببا آخر للمشكلات التي تواجهها النساء يتمثل في انعدام الغطاء الاقتصادي والدخل المادي الذي يحفظ كرامتهن واستقلالهن بشكل فعّال، ما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والعنف داخل أسرهن.

تطبيق القوانين الرادعة ضرورة ملحة

من جانبها، تعلق الناشطة إلهام قدوري، رئيسة إحدى منظمات المجتمع المدني، حول ارتفاع حالات العنف، مشيرة في حديث لـ"طريق الشعب"، الى "عدم المساواة بين الرجل والمرأة، إضافة إلى غياب تكافؤ الفرص في العمل، وطبيعة المجتمع الذكورية تمنح الرجل سلطة واسعة داخل الأسرة، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إساءة استخدام هذه السلطة".

وأوضحت أن العنف الاجتماعي والنفسي ازداد بصورة غير طبيعية، خصوصاً في ما يتعلق بتعنيف الأطفال والنساء، مؤكدةً أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب تشريع قوانين واضحة وتفعيلها بشكل صارم، إلى جانب محاسبة مرتكبي العنف الأسري.

وأضافت أن تطبيق القوانين الرادعة ومحاسبة المسؤولين عن العنف، سواء كان موجهاً للأطفال أو الزوجات، من شأنه أن يسهم في تقليل عدد حالات العنف داخل الأسرة.

وختمت حديثها بالتأكيد على أن تفضيل الرجل على المرأة، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية، يعدان من العوامل التي قد تزيد من حدة التوتر داخل الأسرة، ما قد ينعكس في شكل نزاعات وعنف أسري، خاصة عندما يعجز رب الأسرة عن إدارة شؤون العائلة بشكل سليم.