اخر الاخبار

في أطراف بغداد وتحديداً في منطقة النهروان، ما تزال قصص المعاناة والأوضاع الإنسانية المزرية لمئات معامل الطابوق قائمة، ولا تزال الأوضاع الصعبة التي يعيشها آلاف العمال وعائلاتهم موجودة دون حلول رغم الوعود الحكومية بتحسين أحوالهم.

فداخل هذه المعامل التي يقدّر عددها بنحو 600 معمل، يعمل رجال ونساء وأطفال في ظروف قاسية تفتقر الى أبسط معايير السلامة المهنية والضمان الاجتماعي والخدمات الصحية، وسط بيئة عمل ملوثة وساعات عمل طويلة تحت درجات حرارة مرتفعة.

ومع غياب الرقابة الجادة وتراجع تطبيق القوانين العمالية، تتزايد المخاطر التي يواجهها العاملون يومياً، بدءاً من الإصابات والحروق داخل الأفران وصولاً إلى الحوادث التي قد تنتهي بالوفاة، في وقت تُحل فيه كثير من هذه الحوادث خارج الأطر القانونية، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه هذه الشريحة من العمال.

وكان اتحاد نقابات عمال العراق، نظم أخيراً زيارة ميدانية تأتي ضمن مبادرته لرفع مستوى وعي العمال وتلبية احتياجاتهم، وتوزيع مستلزمات السلامة والعمل التي يحتاجونها، إضافة لتقديم بعض المعونات لهم.

15 زيارة ميدانية خلال عام واحد

من جهتها، أكدت القيادية في اتحاد نقابات عمال العراق كوريا رياح أن الاتحاد يواصل تنفيذ مشروعه الخاص بالصحة والسلامة المهنية في معامل الطابوق بمنطقة النهروان، مشيرة إلى أن المرحلة الحالية تمثل المرحلة الثانية من المشروع الذي يتضمن زيارات ميدانية وورشاً توعوية للعمال.

وقالت رياح في حديث لـ"طريق الشعب"، إن الاتحاد نفذ منذ عام 2025 وحتى مطلع 2026 نحو 15 زيارة ميدانية إلى معامل النهروان، إضافة إلى تنظيم عدد من الورش الخاصة بالتوعية بقانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي ومتطلبات الصحة والسلامة المهنية.

وأضافت أن "واقع العمل في هذه المعامل ما يزال يفتقر إلى الالتزام بالقوانين العمالية"، موضحة أن "العديد من أرباب المعامل لا يطبقون قانون العمل ولا قانون الضمان الاجتماعي، فضلاً عن ضعف الاهتمام بتوفير شروط السلامة المهنية".

وأشارت إلى أن منطقة النهروان "تضم ما يقارب 600 معمل للطابوق، ويعمل في كل معمل ما بين 60 إلى 80 عاملاً من الرجال والنساء"، مبينة أن "غالبية العمال يعملون مع أفراد عائلاتهم، ما يعني أن عدد الأشخاص المقيمين في تلك المعامل قد يتجاوز 200 شخص في الموقع الواحد".

وبيّنت رياح أن "العمل في هذه المعامل يبدأ فعلياً مع بداية شهر نيسان من كل عام ويستمر حتى نيسان من العام التالي، حيث يعمل العمال لساعات طويلة تحت أشعة الشمس وفي ظروف مناخية قاسية، مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف".

ولفتت إلى أن بيئة العمل "ملوثة وغير صالحة صحياً، إذ يستخدم العمال المياه نفسها في العمل والطهي والاستحمام، رغم احتوائها على نسب عالية من الملوثات والكبريت، ما يفاقم من المخاطر الصحية التي يتعرض لها العمال وعائلاتهم".

وشددت القيادية في اتحاد نقابات عمال العراق على ضرورة تفعيل الرقابة الحكومية وإلزام أصحاب المعامل بتطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي، إضافة إلى تحسين شروط السلامة المهنية داخل هذه المواقع".

مساكن بائسة وحوادث خطرة

عضو المكتب التنفيذي في اتحاد نقابات عمال العراق علياء حسين، بدورها، قالت إن آلاف العمال في معامل الطابوق بمنطقة النهروان يواجهون ظروفاً معيشية وصحية صعبة، في ظل غياب الخدمات الأساسية وافتقار المنطقة إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية.

وأضافت حسين لـ"طريق الشعب"، أن العديد من العمال القادمين من محافظات مختلفة يقيمون في مساكن متدهورة وغير صالحة للسكن البشري، حيث تضطر عائلات كاملة مكونة من خمسة الى عشرة أفراد، إلى العيش في غرفة واحدة تستخدم في الوقت نفسه للنوم والطهي والغسيل".

وتابعت أن "المنطقة التي تضم مئات المعامل تفتقر الى مستوصف أو مركز صحي أو حتى سيارة إسعاف، الأمر الذي يزيد من خطورة الحوادث التي تقع داخل المعامل، خصوصاً أن أقرب مركز طبي يبعد نحو ساعة إلى ساعة وربع عن مواقع العمل".

وأشارت إلى أن "العمال يتعرضون لحوادث عمل خطرة، مثل السقوط داخل الأفران أو إصابات سقوط الطابوق أو الحروق الشديدة، وفي كثير من الحالات لا يتم التعامل مع هذه الحوادث وفق الأطر القانونية، بل تُحل عبر تسويات عشائرية يدفع فيها صاحب المعمل مبلغاً مالياً لعائلة العامل المصاب أو المتوفى".

وبيّنت حسين أن "أجور العمال اليومية غالباً ما تكون متدنية وقد تتأخر عن موعدها، كما أن العمل يتوقف في بعض الأحيان بسبب نقص الوقود أو الغاز اللازم لتشغيل الأفران، ما يترك العمال دون دخل، لأنهم يعملون بالأجر اليومي ولا يتمتعون بأي ضمانات".

ودعت كذلك الى تدخل الحكومة لتحسين ظروف العمل والمعيشة في معامل الطابوق، وتوفير خدمات صحية وإسعافية قريبة من مواقع العمل، فضلاً عن تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي لحماية العمال من المخاطر التي يتعرضون لها يومياً".

عمل يفتقر لشروط السلامة المهنية

من جهته، حذر الناشط العمالي يوسف غازي من تردّي أوضاع السلامة المهنية في عدد من مواقع العمل الشاقة، ولا سيما في معامل الطابوق وورش البناء، مؤكداً أن العمال يواجهون يومياً مخاطر جسيمة في ظل غياب إجراءات الحماية الأساسية وضعف الرقابة الفعلية.

وقال غازي لـ"طريق الشعب"، إن طبيعة العمل في هذه المعامل تُعد من أكثر الأعمال صعوبة وخطورة، إذ يتعامل العمال مع الأفران والمواد الثقيلة في ظروف قاسية، ما يجعلهم عرضة لحوادث متعددة، مثل سقوط الطابوق أو التعرض لإصابات مباشرة أثناء العمل، فضلاً عن الحوادث الناتجة عن الإرهاق والحرارة المرتفعة.

وأضاف أن "بعض العمال قد يتعرضون لفقدان الوعي أثناء العمل، خاصة في فصل الصيف عندما تصل درجات الحرارة الى نحو 50 درجة مئوية، في ظل العمل قرب الأفران الحارة".

وأشار إلى أن "معدات السلامة المهنية مثل الملابس الواقية والخوذ والقفازات غالباً ما تكون غير متوفرة بشكل حقيقي في مواقع العمل"، موضحاً أن "بعض المعامل لا توفرها إلا عند وصول لجان التفتيش".

وقال ايضاً انه "في كثير من الأحيان يتم إخراج ملابس الحماية فقط عند حضور المفتشين والتقاط الصور، وبعد انتهاء الزيارة تُرفع مرة أخرى ولا تُستخدم فعلياً من قبل العمال”.

وبيّن غازي أن "جزءاً من المشكلة يرتبط كذلك بضعف الوعي لدى بعض العمال بأهمية استخدام معدات الحماية"، مؤكداً أن "ارتداء هذه المعدات يقيهم الكثير من الإصابات والأمراض المهنية، حتى لو اضطر بعضهم لشرائها على نفقته الخاصة".

وانتقد غازي ما وصفه بـ"ضعف المبادرات الحكومية في هذا الملف"، مشيراً إلى أن "العمال لم يتلقوا دعماً فعلياً من الجهات الرسمية لتحسين ظروف عملهم، في حين جاءت بعض المبادرات المحدودة من جهات نقابية أو منظمات عمالية".

وأضاف أن هذه الجهود ما تزال فردية ولا ترقى الى حجم المخاطر التي يواجهها العمال.

وطالب الناشط العمالي "تفعيل إجراءات السلامة المهنية بشكل إلزامي داخل مواقع العمل، وإجبار أرباب العمل على توفير معدات الحماية اللازمة، فضلاً عن تعزيز الرقابة والتفتيش الميداني".

كما شدد على أهمية "توفير الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية للعمال، مقترحاً إنشاء نقاط أو مستوصفات قريبة من مواقع العمل، لاسيما في المناطق التي تنتشر فيها معامل الطابوق، لأن نقل المصابين إلى المستشفيات البعيدة داخل بغداد يستغرق وقتاً طويلاً ويزيد من خطورة الإصابات التي تفضي للوفاة".

وختم غازي تصريحه بالتأكيد على أن "عمال هذه المهن يعملون في بيئات خطرة وقد يتعرضون للموت أو الإصابات الخطيرة يومياً، ما يتطلب تحركاً حكومياً ونقابياً عاجلاً لحماية هذه الشريحة وضمان حقوقها الأساسية".