اخر الاخبار

بين ضعف الحماية القانونية، وتردي البنى التحتية، والضغوط المعيشية والاجتماعية، يقف المعلم العراقي اليوم في مواجهة منظومة مثقلة بالاختلالات، فيما تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي بشأن تطوير التعليم، والواقع اليومي داخل الصفوف. فالمطالب لم تعد تقتصر على تحسين الرواتب أو بناء مدارس جديدة، بل باتت تتعلق بإعادة الاعتبار لمكانة المعلم، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة تمكّنه من أداء دوره التربوي، بعيداً عن التهديد والتجاذبات والضغط المستمر.

بيئة غير ملائمة

تؤكد التربوية هناء جبار أن أولى المشكلات التي تواجه الكوادر التعليمية هي تعطيل قانون حماية المعلم، رغم وجوده رسميا. وأوضحت أن هذا القانون ما يزال "مركونا على الرفوف" دون تفعيل حقيقي لفقراته التي من شأنها إنصاف المعلّم وحمايته وضمان حقوقه، لا سيما تلك التي تجرّم الاعتداء عليه أثناء أداء واجبه، وتفرض عقوبات وغرامات على المعتدين.

وبينت جبار لـ"طريق الشعب"، أن الاعتداءات على الكوادر التربوية غالبا ما تُحل خارج إطار القانون، عبر التدخلات العشائرية والضغوط الاجتماعية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى ضياع حق المعلم. في المقابل، أشارت إلى أن أي خطأ مقصودا كان أم غير مقصود يصدر من المعلم تجاه الطالب، تُقلب الدنيا بسببه، رغم أن المعلّم يؤدي قبل كل شيء دورا تربويا وأخلاقيا، وليس تعليميا فحسب.

وأضافت أن المعلم غالبا ما يكون الضحية، إذ يتعرض لتجاوزات من أولياء الأمور أو من أطراف خارج المدرسة، خصوصا عند رسوب طالب أو حصوله على درجة مقبول، دون الرجوع إلى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا المستوى. وأكدت أن من غير المنطقي افتراض تعمّد المعلّم الإساءة للطالب أو التقليل من مستواه، فالمعلم كما تقول يفرح بتفوق طلابه، ويفتخر بالتزامهم أخلاقيا وسلوكيا، ولا يوجد معلّم يحارب طالبا مجتهدا وملتزما بواجباته.

وفي الوقت نفسه، شددت جبار على أنها لا تنزه جميع المعلمين عن الأخطاء، فالتجاوزات موجودة وهي مرفوضة، لأن الدور التربوي يفرض مسؤولية أخلاقية كبيرة، إلا أن تعميم الخطأ وتحميل المعلّم وحده كل الإخفاقات أمر مجحف وغير عادل.

تحديات خدمية!

وانتقلت التربوية للحديث عن المعوقات الخدمية، موضحة أن البنى التحتية للمدارس تُعد من أبرز الأزمات، إذ تفتقر الكثير من المدارس إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية المناسبة؛ فالصيف شديد الحرارة دون تبريد، والشتاء قارس دون تدفئة، ولا زجاج ولا أبواب صالحة، فضلًا عن نقص الأثاث والرحلات الدراسية.

وأكدت أن البيئة المدرسية في كثير من الأحيان غير ملائمة نفسيًا وتعليميًا لا للطالب ولا للمعلّم، ما ينعكس سلبًا على العملية التربوية برمتها.

كما أشارت إلى افتقار أغلب المدارس إلى عمال خدمة، ما جعل النظافة عبئا إضافيا، حيث يُضطر أحيانا إلى الاعتماد على الطلبة أنفسهم أو الاستعانة بعمال من خارج المدرسة، الأمر الذي يخلق بيئة غير صحية وغير مناسبة للتعلّم.

وتطرقت جبار إلى صعوبة المناهج وكثرة العطل الدراسية، وتأثيرها المباشر على قدرة المعلم في إيصال المادة العلمية، إضافة إلى الاكتظاظ الشديد داخل الصفوف، حيث تضم بعض الصفوف ٥٠ طالبا أو أكثر.

وبينت أن هذا الزخم الكبير يعيق المتابعة الفردية للطلبة، ويصعب السيطرة الصفية وفهم مشكلاتهم، ليقع اللوم في النهاية على المعلّم بحجة ضعف المستوى.

وفي الجانب المعيشي، أكدت أن تأخر الرواتب والتهاون في صرف المستحقات المالية، من علاوات وترفيعات وزيادات، يمثل معاناة كبيرة للمعلمين، مشيرة إلى أن راتب المعلّم بالكاد يغطي متطلبات المعيشة الأساسية، ما يضطر الكثيرين إلى البحث عن أعمال إضافية، أو اللجوء إلى الديون والسلف، الأمر الذي يؤثر على هيبته الاجتماعية واستقراره النفسي.

وختمت جبار حديثها بالتأكيد على أن دعم المعلّم ماديًا ومعنويًا هو أساس النهوض بالعملية التعليمية، مطالبة الدولة بإنصافه ومنحه المكانة التي يستحقها، معتبرة أن احترام المعلّم وهيبته هو انعكاس مباشر لهيبة التعليم، وهيبة المجتمع، وهيبة الدولة نفسها.

مدارس الأطراف

في مدارس الأطراف والمناطق الريفية، يتحدث معلمون عن يومهم المهني بوصفه سلسلة من التحديات المتراكمة. فبينما ترفع الشعارات في يوم المعلم تقديراً لدورهم، يؤكد عدد من الكوادر التربوية أن واقع الميدان ما يزال بعيداً عن الحد الأدنى من البيئة التعليمية الآمنة والمستقرة.

هدى علي، معلمة من محافظة النجف، تشير إلى أن مشاريع بناء المدارس التي أُعلن عنها في السنوات الأخيرة لم توزع بعدالة، إذ تركز معظمها داخل مراكز المدن، فيما بقيت المدارس الريفية تعتمد على الكرفانات أو الأبنية المتهالكة.

وتوضح أن هذا التفاوت خلق فجوة واضحة بين مدارس المركز والريف، سواء من حيث البنى التحتية أو عدد الشعب أو حجم الاكتظاظ.

وتضيف علي لـ "طريق الشعب"، أن بيئة العمل داخل بعض المدارس "مرهقة إلى حد كبير"، فضعف التيار الكهربائي أو انقطاعه المتكرر يجعل الصفوف، خصوصاً في أشهر الحر، بيئة طاردة للتعلم، في ظل مراوح معطلة أو غير كافية. إلى جانب ذلك، تعاني المدارس نقصاً في الكادر التدريسي، ما يفرض اعتماد الدوام الثلاثي في عدد من المؤسسات، وهو نظام يضغط على المعلم والطالب معاً.

وتبين إن تقليص زمن الحصة الدراسية إلى نحو 25 دقيقة في بعض المدارس يجعل من الصعب استكمال شرح المادة أو ضمان استيعاب الطلبة، لاسيما في الصفوف المنتهية مثل السادس الإعدادي، حيث الامتحانات الوزارية تتطلب تركيزاً ومراجعة معمقة. ويؤكدون أن دقائق من الحصة تُستهلك في تنظيم الصف وتهيئة الطلبة، لتبقى مساحة زمنية محدودة لا تكفي لتحقيق الأهداف التعليمية.

كما تشير إلى مشكلة الاكتظاظ، إذ يتجاوز عدد الطلبة في بعض الشعب الأربعين طالباً، ما يضعف قدرة المعلم على المتابعة الفردية والتقييم المستمر، ويزيد من الضغط النفسي والمهني عليه.

ويلخص معلمون قصة الكرفانات بأنها "حل مؤقت لكن طال أمده"، محذرين من مخاطرها، خصوصاً في مواسم الأمطار، حيث سبق أن شهدت بعض المناطق حوادث صعق كهربائي مؤلمة، أدت الى وفاة طلاب.

اصلاح الواقع التعليمي يبدأ بحقوق المعلم

يقول المشرف التربوي حيدر كاظم إن المعلم يواجه اليوم مجموعة معقدة من التحديات التي جعلت مهنة التعليم من أكثر المهن استنزافا نفسيا ومهنيا، في ظل غياب الدعم الحقيقي من المؤسسات المعنية. ويؤكد أن "الحديث عن إصلاح التعليم الإلزامي لا يمكن أن يكون جديا ما لم نبدأ بتشخيص ما يعانيه المعلم داخل المدرسة".

ويشير كاظم لـ"طريق الشعب"، إلى أن الاكتظاظ وضعف البيئة المدرسية يمثلان أول هذه التحديات، موضحا أن "الكثير من المعلمين يعملون في مدارس متهالكة، وبدوام مزدوج أو ثلاثي، مع صفوف تضم أعدادا تفوق الطاقة الاستيعابية، الأمر الذي ينعكس سلبا على قدرة المعلم في إيصال المادة ومتابعة الطلبة تربويا وتعليميا".

ويضيف أن نقص الكوادر التعليمية شكل عبئا إضافيا، إذ يُجبر المعلم على تدريس مواد خارج اختصاصه أحيانا، أو تحمل حصص إضافية دون مقابل عادل، فضلًا عن غياب فرص التدريب والتأهيل المستمر لمواكبة التطورات التربوية الحديثة. 

المعلم والتسرّب

وحول التسرب المدرسي، يقول كاظم: "المعلم هو أول من يواجه نتائج التسرب، حيث يعود الطلبة بعد انقطاع طويل بمستويات ضعيفة، ويُطلب من المعلم معالجة الفاقد التعليمي دون برامج دعم واضحة أو مناهج مرنة تراعي هذه الفجوات".

كما يلفت إلى أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية باتت جزءا من يوم المعلم، موضحا: "المعلم يتعامل مع طلبة يعملون في الشوارع أو يتحملون أعباء أسرية تفوق أعمارهم، وفي الوقت نفسه لا يمتلك أي سلطة قانونية لحمايتهم أو إلزام ذويهم بإعادتهم إلى المدرسة".

ويؤكد كاظم أن ضعف الحماية القانونية للمعلم من أخطر التحديات، قائلا: "المعلم اليوم معرض للمساءلة والتهديد من بعض أولياء الأمور، من دون وجود قوانين رادعة أو تعليمات واضحة تحميه داخل المؤسسة التعليمية، ما أدى إلى تراجع هيبة المعلم ومكانته الاجتماعية".

وتابع حديثه بالتشديد على أن غياب الحوافز المادية والمعنوية أسهم في إحباط شريحة واسعة من المعلمين، قائلاً: إن الرواتب غير متناسبة مع حجم المسؤولية، وهناك تأخير في الحقوق الوظيفية، وغياب التقدير المعنوي، وهذه العوامل دفعت بالكثير من الكفاءات إلى ترك المهنة أو التفكير بذلك".

واكد المشرف التربوي حيدر كاظم بالقول: "إذا لم تعالج هذه التحديات بقرارات جريئة وحقيقية، فسيبقى المعلم وحده في مواجهة أزمة تعليمية أكبر منه، وسيبقى الإصلاح مجرد شعار لا ينعكس على الواقع".