تنتشر في أراضي ذي قار الألغام والمخلفات الحربية القديمة، محولة المناطق الزراعية والسكنية إلى مواقع خطرة تهدد حياة السكان يوميا: الأطفال والمزارعون يعيشون في دائرة خطر مستمرة، بينما تستمر حوادث الانفجار في قتل الأبرياء وإصابة العشرات. بينما تمثل الأرض الملوثة تهديدا للبيئة والمياه والتنوع البيولوجي، ما يجعل إزالة هذه المخلفات أولوية عاجلة
في حادثين مأساويين، حصلا مؤخراً، سجلت المحافظة إصابة طفل بانفجار لغم أثناء نزهة مع عائلته قرب تل اللحم قبل شهرين، بينما قُتل شاب في مقتبل العمر في 3 كانون الأول إثر انفجار لغم قديم في منطقة نائية شرق قضاء سوق الشيوخ. هذه الحوادث تعكس استمرار خطر المخلفات الحربية والألغام المنتشرة في المحافظة، والتي لا تزال تهدد حياة المدنيين رغم جهود الإزالة المحدودة.
سوق الشيوخ بالصدارة
وشارك مدير بيئة ذي قار موفق الطائي، مع مراسل "طريق الشعب" جدولا إحصائيا صريحا يوضح توزيع التلوث المساحات الملوثة بالألغام والمخلفات الحربية في المحافظة حسب الأقضية، حيث بلغت المساحة الإجمالية الخطرة 89,418,040 مترا مربعا.
وأضاف الطائي أن قضاء سوق الشيوخ سجل النسبة الأعلى من التلوث بمساحة بلغت 66,872,965 مترا مربعا، يليه قضاء الناصرية بـ 22,339,895 مترا، ثم قضاء الجبايش بمساحة 205,180 م، مؤكداً خلو قضاءي الرفاعي والشطرة من أية مخلفات حربية.
وأوضح أن المديرية تعمل بالتنسيق مع دائرة شؤون الألغام في وزارة البيئة والمركز الإقليمي الجنوبي في البصرة، مبيناً وجود عضو ارتباط مخصص لتنسيق المواقع الميدانية، ومن ضمنها مطار الناصرية الدولي.
واختتم مدير البيئة بالإشارة إلى وجود جهد مستمر مع فرق الدفاع المدني لتطهير هذه المواقع، مؤكداً الاستمرار في هذا الملف حتى تأمين جميع المناطق المتضررة في المحافظة.
برامج تأهيل ومتابعة طبية
وذكر مدير مركز الأطراف الصناعية في ذي قار، د. فلاح حسن، أن المركز واصل منذ تأسيسه عام 2013 تقديم خدماته الطبية والتأهيلية لفاقدي الأطراف في المحافظة، مسجلاً أرقاما تعكس حجم المعاناة التي خلّفتها الحروب والمخلفات القاتلة.
وقال حسن في تصريح، إن عدد المستفيدين من الخدمات الصحية التي يقدمها المركز بلغ 2326 شخصا، موضحا أن 1583 منهم فقدوا أطرافهم في محافظة ذي قار، نتيجة الألغام والمخلفات الحربية.
وأضاف أن المركز لا يقدم الأطراف الصناعية فحسب، بل يشمل عمله تقديم برامج التأهيل والمتابعة الطبية، بهدف مساعدة المصابين على استعادة قدرتهم على الحركة والاندماج مجددا في المجتمع، رغم الإمكانات المحدودة وحجم الطلب المتزايد.
غياب العلامات التحذيرية
وتقول بلقيس الزاملي، مهندسة كيميائية، تعمل في مجال إزالة الألغام مع إحدى المنظمات الأجنبية المتعاونة مع الجهات الأمنية العراقية، إن الألغام والمخلفات الحربية تمثل "خطرا لا يقل عن الحروب نفسها"، مؤكدة أن معظم هذه المواد "قديمة وغير مستقرة كيميائيا، ما يجعلها قابلة للانفجار عند أدنى احتكاك أو تغير حراري".
وتوضح أن "كثيرا من الضحايا هم مدنيون، وغالبا ما يكونوا أطفالا أو رعاة أو مزارعين، يتعاملون مع مناطق تبدو آمنة ظاهريا لكنها ملوثة منذ عقود"، مشيرة إلى أن غياب العلامات التحذيرية واتساع المساحات الملوثة يزيد من حجم المخاطر.
وأضافت أن فرق الإزالة تعمل في ظروف بالغة الخطورة وبإجراءات دقيقة قد تستغرق ساعات لتفكيك مقذوف واحد، محذرة من أن "أي محاولة فردية للتعامل مع جسم مشبوه قد تؤدي إلى نتائج قاتلة"، لافتة في الوقت نفسه إلى أن شحة وقلة الأموال الحكومية المخصصة لهذا الملف تمثل عائقا حقيقيا أمام تسريع عمليات التطهير وتوسيع نطاقها.
وأكدت أن محدودية التمويل تؤثر بشكل مباشر على عدد الفرق الميدانية، ونوعية المعدات المستخدمة، وقدرة الجهات المعنية على تغطية المساحات الواسعة الملوثة، مشددة على أن معالجة هذا الملف لا تقتصر على الجوانب الفنية فقط، بل تتطلب "إرادة حكومية واضحة، ودعما ماليا مستداما، وتعاونا دوليا فاعلا".
واختتمت بالقول: إنّ ربط ملف إزالة الألغام بخطط التنمية والاستثمار بات ضرورة ملحة، "لأن الأرض الملوثة تعني حياة مهددة، واقتصاد معطلاً، ومستقبلًا مؤجلاً للمجتمعات المحلية".
4500 ضحية منذ العام 2015
ويصف ستار سجاد، ناشط بيئي من ذي قار، الوضع في المحافظة بأنه "كارثة بيئية وإنسانية حقيقية"، محملا الحكومة مسؤولية الإهمال المستمر.
وقال سجاد لـ"طريق الشعب"، إن "أكثر من 4500 شخص قتلوا أو أصيبوا في ذي قار منذ عام 2015 بسبب المخلفات الحربية والألغام، بينما تشير الإحصائيات الرسمية على مستوى العراق بين عامي 2017 و2022 إلى وفاة وإصابة نحو 35 ألف شخص. معظم الضحايا هم أطفال ومزارعون، لكن الضرر لا يقتصر على البشر فقط، بل يمتد للأراضي الزراعية والمياه الجوفية، والتنوع البيولوجي في الريف بدأ يتأثر بشكل واضح".
وأضاف ان "الأرض مليئة بالقنابل العنقودية والمخلفات الحربية، وأي تعامل غير احترافي معها قد يؤدي إلى انفجار مباشر. شحة التمويل الحكومي وضعف التخطيط يجعل جهود إزالة الألغام بطيئة وغير كافية، بينما تستمر المخاطر في قتل الأبرياء وتدمير البيئة بشكل تدريجي".
وختم سجاد بالقول ان "هذا الملف يحتاج إلى ميزانيات كافية، خطط واضحة، وتعاون كامل بين الجهات البيئية والأمنية. الأرض الملوثة ليست تهديدا للأمن فقط، بل عقبة أمام التنمية والاستثمار، وإذا استمر الإهمال فستدفع ذي قار ثمنا باهظا على كل المستويات".