بين أكوام النفايات المتراكمة، يقضي رجال ونساء وأطفال ساعات طويلة في البحث عن مواد بلاستيكية وقطع معدنية وعلب فارغة يمكن بيعها لتأمين قوت يومهم. وفي ظل غياب أبسط مستلزمات الوقاية الصحية، يفتش هؤلاء في النفايات المنزلية والطبية والصناعية، معرضين أنفسهم للجروح والأمراض والتسمم.
ولا يبدو جمع النفايات بالنسبة إلى هؤلاء خياراً مهنياً بقدر ما هو وسيلة اضطرارية لمواجهة الفقر والبطالة وغياب فرص العمل. وبينما تتزايد الدعوات إلى تحسين إدارة النفايات وإعادة التدوير، يبقى العاملون في هذا المجال الحلقة الأضعف، إذ يجمعون المواد الأولية التي تستفيد منها ورش إعادة التدوير، من دون أن يحصلوا على الحد الأدنى من الحقوق التي تكفل لهم حياة كريمة.
أمراض وإصابات تلاحق العاملين
يقول علي حسن، الذي عمل في جمع النفايات لأكثر من خمس سنوات، ويشرف حاليا على موقع لتجميع المواد التي يجمعها العاملون وفرزها قبل بيعها إلى ورش إعادة التدوير، إن هذه المهنة تترك آثارا صحية خطيرة على العاملين فيها.
ويضيف: "أعاني من مرض في الرئة بسبب العمل في جمع النفايات. وجميع العاملين يتعرضون لإصابات مستمرة وجروح، إضافة إلى أمراض مختلفة نتيجة استنشاق أبخرة قد تكون كيميائية أو سامة".
ولا تقتصر المشكلة على الإصابات المباشرة، إذ قد يتعرض العاملون لمخاطر صحية تتطلب فحوصا طبية وعلاجاً مستمراً، وهي أعباء يصعب تحملها بالنسبة إلى أشخاص يعتمدون على ما يجمعونه يوميا لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
أطفال ونساء في مواجهة المخاطر
من جانبه، يروي ماجد العبيدي، الذي ترك العمل في جمع النفايات قبل نحو عام، بعدما تعرض لإصابات جسدية وأصيب بالتهاب في الرئتين وتقرحات في المعدة، فيقول "عمال جمع النفايات من أعمار مختلفة، لكن غالبيتهم دون العشرين، وبينهم عدد كبير دون سن الخامسة عشرة، فضلاً عن نساء تجاوزن سن الأربعين".
وتثير مشاركة الأطفال في هذا العمل مخاوف جدية، خصوصا أن التعامل مع النفايات قد يعرضهم لمخاطر جسدية وصحية، ويحرمهم من فرص التعليم والعيش في بيئة آمنة. أما النساء، فيواجهن مشقة العمل ومخاطره، إلى جانب الأعباء الأسرية والمعيشية، في ظل غياب وسائل الحماية والرعاية الاجتماعية.
وتعكس هذه الظاهرة اتساع دائرة العمل الهش، حيث تدفع الحاجة الاقتصادية بعض الأسر إلى إشراك أفرادها في جمع النفايات، حتى عندما يتعلق الأمر بأطفال لم يبلغوا السن التي تسمح لهم بالعمل.
جمع النفايات يزيد المخاطر
ولا تقتصر مسؤولية الحد من المخاطر على توفير معدات الحماية للعاملين، بل تبدأ أيضا من تنظيم عملية جمع النفايات وفرزها، ونشر الوعي بين المواطنين بشأن طريقة التخلص منها.
ويقول المواطن قيصر عبد الله إن "غياب الوعي لدى المواطنين بشأن طريقة رمي النفايات، وعدم عزل المواد البلاستيكية والورقية في أكياس منفصلة، يصعّبان عمل عمال جمع النفايات ويعرضانهم لمخاطر البحث وسط أكوام النفايات، وما قد تحتويه من مواد حادة أو ملوثة".
ويضيف أن فرز النفايات من المصدر يسهم في تسهيل عمل هؤلاء العمال، ويحد من المخاطر التي يواجهونها، مشيرا إلى أن تنظيم جمع النفايات وفرزها، كما هو معمول به في العديد من دول العالم، ما زال غائبا في العراق.
إن فصل المواد القابلة لإعادة التدوير عن بقية المخلفات يمكن أن يقلل من تعرض العاملين للمواد الملوثة والأدوات الحادة، فضلا عن تسهيل عمليات الجمع والفرز. غير أن هذه الخطوة تحتاج إلى برامج توعية مستمرة، ونظام واضح لإدارة النفايات، وتوفير الحاويات المناسبة، إلى جانب اضطلاع الجهات المعنية بمسؤولياتها في تنظيم القطاع وحماية العاملين فيه.
وفي ظل غياب الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية المرتبطة بالعمل، يتحمل هؤلاء وحدهم تكاليف إصاباتهم وعلاجهم، من دون دخل ثابت أو تعويض يضمن استمرار معيشتهم في حال عجزهم عن العمل. كما أن طبيعة العمل غير المنظمة تجعل حصر العاملين فيه وتوفير الحماية لهم أكثر صعوبة.
مسؤولية حكومية لا تحتمل التأجيل
إن استمرار عمل رجال ونساء وأطفال وسط النفايات من دون حماية كافية يضع الجهات الحكومية المعنية أمام مسؤولية إنسانية واجتماعية، تتطلب معالجة تتجاوز حملات النظافة وإدارة المخلفات، لتشمل حماية الأشخاص الذين يعتمدون عليها في كسب عيشهم.
ويمكن أن يسهم تنظيم قطاع جمع المواد القابلة لإعادة التدوير، وإدماج العاملين فيه ضمن منظومة رسمية تضمن حقوقهم وأجورهم وسلامتهم، في تحويل هذا النشاط من عمل محفوف بالمخاطر إلى مصدر رزق أكثر أماناً واستقراراً.