اخر الاخبار

لم تعد الوظيفة الحكومية في العراق تحقق الشعور بالأمان المعيشي الذي ارتبط بها منذ عقود طويلة. فمع تصاعد المخاوف من تفاقم مشكلة تأخر الرواتب وتراجع قيمتها أمام الدولار، وفي ظل الضغوط المالية التي تواجهها الدولة وارتفاع تكاليف المعيشة، اضطر الكثيرون من الموظفين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية في القطاع الخاص، من قيادة سيارات الأجرة وخدمات التوصيل إلى العمل في المطاعم والمقاهي والمحال التجارية، لتغطية التزاماتهم المالية الشهرية.

هذا التحول في السلوك الاقتصادي للموظف لم يبدأ اليوم بفعل أزمة سعر الصرف الأخيرة وحسب، إنما يمتد لسنوات خلت مع تصاعد متطلبات الحياة اليومية وزيادة نفقات المعيشة بشكل غير مسبوق. إذ باتت العائلة تواجه قائمة التزامات شهرية مرهقة لا تقوى الأجور الثابتة على مجاراتها، بدءا من الارتفاع الجنوني لإيجارات السكن التي تلتهم الحصة الأكبر من الدخل، وأجور فواتير الماء والكهرباء الوطنية، مرورا بتكاليف اشتراك المولدات الأهلية لسد النقص المزمن في الطاقة، وصولا إلى أقساط المدارس والجامعات الأهلية، ونفقات الدروس الخصوصية والرعاية الطبية، وغيرها من المصاريف المستحدثة التي فرضها تراجع مستوى الخدمات العامة.

ولم يعد مستغربا اليوم رؤية كفاءات إدارية أو طاقات وظيفية شابة تتوزع بين قيادة سيارات الأجرة وخدمات التوصيل، أو الانخراط في نوبات عمل مسائية داخل مطاعم ومقاهٍ. وبحسب مراقبين، فإن هذه الظاهرة الآخذة بالاتساع، لا تعكس فقط عمق الفجوة بين الأجور ومتطلبات المعيشة، إنما تفتح الباب على تساؤلات حيوية تخص مستويات الإنتاج داخل مؤسسات الدولة، وتدني الكفاءة الوظيفية نتيجة الإرهاق الجسدي والنفسي الذي يعانيه الموظف "مزدوج العمل" في رحلة تأمين لقمة العيش.

وجاء انخفاض قيمة الدينار أمام الدولار ليوجه ضربة قاسية للقوة الشرائية للموظف، مسببا تآكلا فعليا في قيمة راتبه الاسمي الذي بات يعجز عن تأمين المتطلبات الأساسية نفسها. ويتزامن هذا التراجع الحاد في القيمة الفعلية للأجور مع واقع أكثر إرباكا. حيث يواجه الموظفون تذبذبا في مواعيد توزيع الرواتب وتأخرا ملحوظاً في صرفها، نتيجة الأزمة المالية واختناقات السيولة التي تمر بها البلاد.

هذا النزوح الكثيف للموظفين نحو السوق الموازي لم يمر دون ارتدادات على بنية العمالة المحلية. إذ بات هؤلاء الوافدون الجدد يزاحمون أصحاب الأعمال الحرة والكسبة الذين يعتمدون كليا على القطاع الخاص كمصدر دخل وحيد. وتتسبب هذه المزاحمة في تضييق فرص العمل المتاحة وتقليص الهوامش الربحية في مهن كقيادة الأجرة، أو البيع بالتجزئة، أو الخدمات اللوجستية، نظرا لقبول الموظف أحيانا بأجور أدنى لتأمين أي عائد إضافي يدعم راتبه الثابت، ما يخلق نوعا من الحساسية والمنافسة غير المتكافئة في سوق يعاني أساسا الركود وقلة الفرص.

العمل الإضافي ضرورة ملحّة

خالد العيثاوي، وهو موظف في وزارة البيئة من أهالي بغداد، يعمل خارج ساعات الدوام الرسمي في خدمة التوصيل.

يقول في حديث صحفي إن راتبه لم يعد كافياً لتغطية نفقات العائلة، وان العمل الإضافي تحول من وسيلة لتحسين المعيشة إلى ضرورة ملحة لإكمال متطلبات المنزل.

ويضيف أن "المشكلة ليست في موعد الحصول على الراتب وحسب، بل في المخاوف من إمكانية صرفه أو عدمها، فضلا عن ارتفاع الأسعار بشكل عام بعد خفض قيمة الدينار مقابل الدولار"، مؤكدا أنه "لدي إيجار ومصاريف بيت والتزامات كثيرة. ولهذا أضطر أن أشتغل بعد الدوام حتى أضمن دخل إضافي يسد حاجة عائلتي".

وينوّه العيثاوي إلى ان "الجمع بين العملين يحتاج إلى جهد كبير، ورغم ذلك، لا يمكن في هذا الظرف التخلي عن مصدر الدخل الإضافي".

وفي قطاع آخر، يقول الموظف في وزارة الصحة بهاء نافع، انه اضطر إلى العمل مساءً في أحد المطاعم، مبيّنا ان دخله الإضافي أصبح جزءاً أساسياً من ميزانية عائلته.

فيما يلفت إلى ان ساعات العمل الطويلة تؤثر في نشاطه خلال الدوام الحكومي، ومع هذا، انه يخشى خسارة العمل الثاني، لأن ذلك سيعيده إلى الاعتماد على راتب واحد لا يمكن ضمان موعد تسليمه.

بين الإرهاق والإنتاجية

يرى الباحث الاجتماعي منير العبيدي، أن العمل لساعات طويلة قد ينعكس سلباً على أداء الموظف مهنيا واجتماعيا.

ويوضح في حديث صحفي أنه "يمكن للإرهاق وقلة النوم والضغط النفسي أن تؤثر في التركيز والإنتاجية والتعامل مع المواطنين، خصوصاً في الوظائف التي تتطلب جهداً بدنياً أو مسؤولية مباشرة"، مضيفا أن "استمرار ظاهرة الجمع بين وظيفتين، قد يزيد تجليات البطالة المقنعة داخل المؤسسات الحكومية، عندما يحضر الموظف إلى عمله من دون أن تكون لديه الطاقة اللازمة لأداء واجباته بالمستوى المطلوب، نتيجة استنزاف جهده في العمل الثاني".

ويشير العبيدي إلى ان "المشكلة لا تتعلق بالموظف وحده، إنما بكفاءة المؤسسات العامة وقدرتها على تقديم الخدمات".

متقاعد يستعيد مهنة شبابه!

لا تقتصر هذه المعاناة على الموظفين المستمرين في الخدمة وحسب، إنما امتدت لتطال شريحة المتقاعدين الذين التهم التضخم رواتبهم الضئيلة أساسا.

في هذا السياق، يقول أبو سرمد (67 عاماً)، وهو موظف متقاعد يسكن في بغداد، انه "بعد قضائي أكثر من ثلاثين عاما في الخدمة الوظيفية، وجدت نفسي مجبراً على العودة إلى مهنة شبابي كـ(كببجي) والوقوف خلف منقلة الشواء لساعات طويلة"، مبيّنا في حديث صحفي أن "راتبي التقاعدي لم يعد يكفي لتسديد إيجار المنزل وشراء علاجاتي، ناهيك عن مصاريف المعيشة الأخرى. لم أكن أتوقع أنني بعد هذا العمر سأضطر لمزاحمة الشباب الكسبة في الأسواق لتأمين لقمة العيش".

ويسترسل أبو سرمد في حديثه مستعرضا القفزات غير المسيطر عليها في تكاليف المعيشة اليومية، موضحا أن "الفجوة باتت هائلة بين القدرة الشرائية للراتب وبين ما تفرضه الأسواق من واقع سعري جديد".

ويرى أن "غياب التوازن الاقتصادي، وارتفاع بدلات الإيجار، وتصاعد كلفة الخدمات الأساسية من طاقة ورعاية صحية، كلها عوامل جعلت من المعاش التقاعدي مجرد رقم رمزي يتلاشى في الأيام الأولى من تسلمه". 

من قاعة الدرس إلى المطبخ!

وفي وجه آخر من المعاناة، تبرز قصص نساء موظفات يواجهن أعباء مضاعفة لتأمين استقرار عائلاتهن، ومنهن ليلى عبد علي، وهي مدرّسة في مدرسة ثانوية، وأرملة تعيل ثلاثة أبناء في مراحل دراسية مختلفة. حيث تضطر إلى تحويل مطبخ منزلها، يوميا بعد الدوام الرسمي، إلى ورشة عمل صغيرة لصنع المعجنات والكيك وتسويقها للمحال والمعارف.

تقول ليلى في حديث صحفي إن "راتبي الوظيفي لا يكاد يصمد أمام المتطلبات المتزايدة للأبناء، خاصة مع بداية كل عام دراسي. فالمدارس اليوم أصبحت عبئا ماليا ثقيلا يتطلب ميزانية خاصة للقرطاسية والملابس، وأجور النقل"، مضيفة القول: "اضطررت إلى تسجيل أبنائي في دروس خصوصية لتعويض نقص المناهج. ولولا عملي الإضافي في صناعة المعجنات داخل البيت لما تمكنت من سد هذه الثغرات الكبيرة".

وتشير إلى انه "رغم الإرهاق الجسدي الذي أواجهه بعد عودتي من الدوام الرسمي، إلا أن مسؤوليتي كأرملة تحتم عليّ الاستمرار ونحت الصخر لضمان عدم تقصيري في مستقبل أبنائي الدراسي".

وتتطلب استعادة الثقة في الوظيفة الحكومية – بحسب مراقبين – تأكيد القدرة على دفع الرواتب بانتظام، مع وضوح الموقف المالي وإدارة الإنفاق العام للدولة وتنويع إيراداتها. ويرى هؤلاء أن الموظف حين يضطر إلى الازدواج الوظيفي لتأمين نفقاته الأساسية، يصبح الأمان المعيشي أقل ارتباطاً بامتلاك وظيفة ثابتة، وأكثر ارتكازاً على القدرة على توفير دخل إضافي.