دفعت أزمة الجفاف التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، إلى اتساع ظاهرة حفر الآبار في الكثير من القرى والأرياف، لتأمين مياه الشرب والسقي. ويتم حفر هذه الآبار من قبل الأهالي بشكل عشوائي غير نظامي، من دون الالتزام بإجراءات السلامة وشروطها، الأمر الذي نتج عنه تكرار حالات سقوط الأطفال في الآبار، فضلا عن ازدياد حالات تسمم المياه المستخرجة منها.
وخلال أقل من شهر، شهدت البلاد 4 حالات سقوط أطفال في آبار عميقة، أسفرت عن وفاة 3 أطفال في نينوى، وإصابة آخر في الأنبار، مع تسجيل حالتي تسمم بمياه آبار نتيجة تسرب مياه الصرف الصحي إليها في كل من ذي قار وديالى. وعلى إثر تكرار تلك الحوادث، تستعد السلطات المحلية في نينوى والأنبار للبدء بحملة توعية واسعة بين الأهالي بشأن مخاطر تلك الآبار، مع إلزامهم بتأمينها عبر تسويرها ووضع أغطية على فتحاتها، فضلا عن ردم القديمة الجافة منها.
وبحسب المستشار في وزارة الموارد المائية أحمد الساعدي، فإن جهودا ميدانية ستنطلق في الأنبار ونينوى بدايةً لتأمين الآبار وإغلاق المخالفة أو الخطرة منها، التي لا تتوفر فيها المعايير المطلوبة، مضيفا في حديث صحفي قوله إن الحملة ستتسع بعدها لتشمل مختلف مدن البلاد.
جيولوجيو نينوى مستعدون لمعالجة الموقف
في تصريح صحفي أول أمس الأحد، قالت نقابة الجيولوجيين العراقية في نينوى، إنها مستعدة لإجراء مسح ميداني للآبار المنتشرة في المحافظة، وتقديم المعالجات الفنية لغير النظامية منها، بما في ذلك تبطين الآبار وتغطيتها. وفيما بيّنت أن الحفر غير النظامي يؤدي إلى تآكل جدران الآبار واتساع فوهاتها بمرور الزمن، دعت المختارين في المناطق النائية إلى رصد الآبار غير النظامية والإبلاغ عنها.
وبحسب مزارعين في نينوى، فإن أعماق الآبار التي حُفرت في المحافظة تتراوح بين 100 و300 متر، بحسب طبيعة المنطقة، مشيرين إلى ان مساحات زراعية واسعة تعتمد على المياه الجوفية منذ تراجع مناسيب الأمطار.
11 حادثا خلال العام الحالي
وكالة أنباء "العربي الجديد" تنقل عن مسؤول في وزارة الداخلية قوله، إن العام الحالي شهد 11 حادث سقوط في آبار، أسفرت عن 7 وفيات، مبيّنا أن 10 من تلك الحوادث ضحاياها أطفال، وحادث واحد لامرأة.
ويضيف المسؤول الذي حجبت وكالة الأنباء اسمه، قائلا إن الحوادث حصلت في نينوى وكركوك والأنبار والمثنى والبصرة، وكلها جرت في آبار حفرها الأهالي بشكل غير نظامي، خلافا للآبار الحكومية النظامية التي لجأت إلى حفرها وزارتا الزراعة والموارد المائية لمواجهة أزمة الجفاف في بعض المناطق.
ويلفت إلى انه "تم تفعيل إجراءات عقابية بحق شركات حفر الآبار التي لا تلتزم بالمعايير المطلوبة، والتي لا تبالي لسلامة المواطنين وأطفالهم"، مؤكدا أنه "تم رصد حالات نفوق حيوانات داخل بعض الآبار، ما يتسبب في أضرار صحية شديدة للناس الذين يستخدمون مياهها".
لا مبرر لبقاء الآبار مكشوفة
من جانبه، يقول عضو اتحاد الجمعيات الفلاحية في بغداد ماجد العبادي، إن "الأهالي اضطروا إلى حفر الآبار بسبب أزمة شح المياه، لكن ذلك لا يعطي مبررا لبقاء تلك الآبار مكشوفة"، مبيّنا في حديث صحفي أن "المسؤولية الأولى تقع على صاحب البئر الذي لم يقم بتأمين بئره".
ويشدد على "أهمية أن تقوم الجهات المعنية بحصر الآبار، ومتابعة إزالة المخاطر عنها، مع تحديد المسؤولية القانونية وفق التحقيق في كل حادثة"، داعيا إلى إطلاق حملة ميدانية لمواجهة مخاطر الآبار غير النظامية، تبدأ بالآبار القريبة من البيوت ثم تشمل الآبار المنتشرة في المزارع، على أن تركز الحملة على تأمين جميع الآبار، وإغلاق التي لا تتم الاستفادة منها.
ويؤكد العبادي، أنه بالرغم من الحوادث، لا تزال هناك آبار مكشوفة وغير مؤمّنة.
حوادث يتم التكتم عليها!
يلفت مزارعون في مناطق مختلفة من البلاد، إلى أن عشرات حالات السقوط غير المميتة في الآبار، يجري التكتم عليها وتغطيتها من قبل الأهالي، خوفا من المحاسبة القانونية.
وفي هذا الصدد، يقر المزارع أبو عمار، من إحدى قرى نينوى، بوجود جانب مخفي لهذه الظاهرة لا تسجله الإحصاءات الرسمية.
ويقول في حديث صحفي أن "هناك حوادث سقوط كثيرة لأطفال أو مواشٍ تنتهي بسلام وإصابات طفيفة، لكن الأهالي يتكتمون عليها تماما، بعد إنقاذ الضحية بمعرفتهم، دون إبلاغ الشرطة أو المستشفى، خوفا من المساءلة القانونية".
ويدعو أبو عمار إلى إطلاق حملات توعية مكثفة بين المزارعين، بشأن طرق تأمين الآبار وحماية الأطفال من مخاطرها.
حفّارات أهلية جوّالة
تبرز عقبة أخرى تتمثل في انتشار حفارات أهلية جوّالة غير مجازة، تقوم بحفر الآبار للمزارعين من دون الالتزام بالمواصفات الفنية المطلوبة وشروط الأمان والسلامة. ثم تغادر المواقع دونما تقديم إرشادات تضمن سلامة الأهالي.
وفي هذا الشأن، يقول المزارع سلطان جابر، من محافظة كركوك، إن "أصحاب الحفارات الأهلية يتعاملون مع الأمر كعمل تجاري بحت. إذ يقتصر دورهم على حفر البئر واستخراج المياه ثم المغادرة فورا، دون تقديم أي نصيحة أو إرشاد للمزارع بشأن كيفية تأمين الفوهة وتغطيتها لحماية الأطفال".
ويضيف في حديث صحفي قوله إن "الكثيرين من أصحاب الحفارات يفتقرون للخبرة الكافية في مجال تأمين الآبار، وتبطينها لحمايتها من التآكل أو التلوّث، ما يترك أصحاب الأراضي أمام مخاطر فنية وجهل تام بإجراءات السلامة المطلوبة".