اخر الاخبار

بعد عقود من تشييدها كواجهات عمرانية بارزة، تواجه المجمعات السكنية العريقة في بغداد اليوم، شبح الإهمال وتقادم البنى التحتية والخدمية.

يأتي ذلك وسط فوضى تداخل المسؤوليات الإدارية بين الدوائر البلدية وإدارات المجمّعات، الأمر الذي فجّر أزمات صيانة خانقة طالت شبكات الماء والمجاري والكهرباء والمصاعد، وتسببت في حدوث ركود واضح في حركة البيع، وتراجع ملحوظ في عوائد الإيجارات الشهرية للشقق أمام المشاريع الاستثمارية الحديثة.

وتتصدر مجمعات الصالحية وشارع حيفا وحي السلام وزيونة، فضلا عن مجمع البلديات الذي تسكنه عائلات من الجالية الفلسطينية، قائمة المشاريع السكنية التي شُيدت خلال مرحلة التوسع العمراني للعاصمة، إبان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وتواجه هذه المجمعات اليوم تراجعا حادا في مستويات الصيانة، وتقادما في البنى التحتية وشبكات الخدمات الأساسية.

ويعزو مراقبون هذا التراجع إلى تداخل المسؤوليات بين الجهات الحكومية والخدمية وإدارات المجمعات والسكان، لا سيما في ما يتعلق بصيانة الأجزاء المشتركة. وتكشف شهادات بعض القاطنين في تلك المجمعات عن مفارقة واضحة. ففي الوقت الذي يُلزم فيه السكان بدفع اشتراكات ورسوم شهرية لجمعيات إدارة المجمعات لقاء خدمات النظافة والصيانة، يُعانون تدهورا حادا في أبرز مقومات العيش الأساسية، كخدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والتنظيفات. وقد دفع هذا التدهور الخدمي المتواصل والمزمن، ببعض أصحاب الشقق، إلى عرض وحداتهم السكنية للبيع، مقابل أسعار بخسة، هربا من واقع خدمي متهالك طارد للاستقرار.

في انتظار عودة الماء!

في حديث صحفي، تقول دينا ياسر، وهي من سكان مجمع حي السلام، أن السكان يعانون تراجعا كبيرا في الخدمات.

وتوضح أنه "نسهر أحياناً حتى الفجر في انتظار عودة الماء وملء الخزانات. بينما نعاني طفح المجاري في فصل الشتاء. أما الكهرباء الوطنية فهي غير مستقرة"، لافتة إلى أن "الأهالي تقدموا بشكاوى متكررة إلى إدارة المجمع والجهات المعنية، لكن المشكلات لا تزال قائمة".

وتشير دينا إلى أن "بعض بنايات المجمع لا تحتوي على مصاعد، ما يضطر سكان الطوابق العليا إلى استخدام السلالم".

أما عمر لطيف، وهو أيضا من سكان مجمع حي السلام، فيقول أن "المجمع أصابه الإهمال. فحتى خدمات النظافة التي تُقدمها أمانة بغداد، غير مشمول بها، سوى بنسبة قليلة لا تُغطيه بالكامل"، مضيفا في حديث صحفي أن "المجمع كان يُستثنى في فصل الصيف من القطع المبرمج للتيار الكهربائي، من الثانية عشرة ليلا حتى السادسة صباحا، بسبب ارتفاع درجات الحرارة فيه نظرا لبنيته الخرسانية. أما الآن فهو مشمول بالقطع المبرمج طيلة ساعات اليوم".

ويتابع لطيف قوله أن "المجمع شُمل أيضا بجدول قطع المياه، بالرغم من كونه يضم مشروعا لتحلية المياه خاصا به". فيما يلفت إلى ان "غالبية العمارات أصابها التقادم. حيث تهالكت بناها التحتية والخدمية، من شبكات المجاري والماء والكهرباء، في ظل عدم إدامتها وصيانتها".

ويؤكد أن "السكان يدفعون اشتراكات شهرية للجمعية الخاصة بالمجمع، لقاء خدمات التنظيف. بينما يُلزم من يريد ترميم شقته أو إضافة ملحقات إليها، بأخذ موافقة من الجمعية، مع دفع مبلغ 25 ألف دينار".

صيانة محدودة

من جانبه، يقول المهندس المتخصص في مجال العمارة عبد الحسين الراضي، أن "الصيانة باتت محدودة في بعض العمارات السكنية، ما انعكس على مستوى الخدمات، وأدى بالتالي إلى ضعف الإقبال على شراء الوحدات السكنية أو استئجارها".

ويبيّن في حديث صحفي أن "مرور 20 عاماً أو أكثر على إنشاء العمارة لا يعني أنها أصبحت غير صالحة للسكن، لأن العمر الإنشائي للبناية قد يمتد لعقود طويلة إذا استمرت أعمال الصيانة والفحص الدوري بصورة صحيحة"، مضيفا أن "المشكلة تبدأ عندما تترك الأجزاء المشتركة في البناية من دون صيانة، مثل شبكات المياه والصرف الصحي والواجهات والأسطح والمصاعد والمنظومات الكهربائية. إذ يؤدي إهمالها إلى تراكم الأعطال وارتفاع كلفة معالجتها".

ويلفت الراضي إلى أن "بعض المشكلات لا يرتبط بسلامة الهيكل الإنشائي نفسه"، موضحاً أن "تسربات المياه، على سبيل المثال، إذا استمرت لفترات طويلة من دون معالجة، قد تؤدي إلى أضرار في بعض العناصر الإنشائية".

ويشدد على "أهمية إخضاع العمارات القديمة إلى فحوص دورية، منها الكشف البصري الشامل وفحص الجدران والسقوف، فضلا عن فحص مقاومة الخرسانة وفق برامج محددة، بدلاً من الاقتصار على معالجة الأعطال بعد وقوعها".

إدارات سيئة

في السياق، يرى النائب السابق حسين عرب، أنه "في سبيل خدمة ساكني المجمعات وتقديم الخدمات لهم بطريقة سلسة وصحيحة، يُفترض أن تتم إدارة مجمعاتهم من خلال هيئة أو جمعية يجري انتخابها من قبل السكان، حسب النظام الداخلي وحسب القانون. وتقوم هذه الجمعية بإدارة شؤون المجمعات".

ويضيف في حديث صحفي قائلا أنه "بعد عام 2003، تحولت إدارات المجمعات من فاعلة إلى سيئة، باستثناء بعض أعضاء الإدارات الذين يقدمون خدمات جيدة"، مستدركا "لكن غالبية الخدمات المقدمة لا ترتقي إلى مستوى الخدمة الحقيقية".

ويشير عرب إلى أن "الجمعيات التابعة للمجمعات تقوم بجني رسوم من السكان لقاء خدمات تُقدمها. كما تستحصل الأموال عبر تأجير المحلات وساحات وقوف السيارات والفضاءات الفارغة التي تقع في حدود المجمع"، مضيفا أن "البلدية لا يمكنها تقديم الخدمات داخل هذه المجمعات، على اعتبار أنها ليست ضمن قاطع مسؤولياتها، إنما ضمن قاطع مسؤوليات الجمعيات".

وينوّه إلى ان "مجمعات شارع حيفا تعرضت إلى عمليات إرهابية، خصوصاً المجمعان الهولندي والألماني. كما تعرضت الجمعيات إلى جملة من الاعتداءات الإرهابية. وقد تم إعمار شارع حيفا، بينما لم تُعمّر البنايات السكنية التي تعرضت إلى أضرار جراء الهجمات الإرهابية، ما أدى إلى تشويه منظر الشارع".

سوء الخدمات أفقد المجمعات جاذبيتها

من جانب ذي صلة، يقول عاملون في مجال العقارات، أن تراجع مستوى الخدمات في بعض المجمعات القديمة انعكس على جاذبيتها في سوق العقار، خصوصاً مع انتقال جانب من الطلب إلى مجمعات أحدث توفر خدمات أكثر انتظاماً.

ويسجل بعض أصحاب مكاتب العقار تراجعاً واضحاً في أسعار بيع وإيجار الوحدات السكنية لبعض المجمعات، قياساً لما كانت عليه قبل سنوات.

إذ يقول أحمد حيدر نجم، صاحب مكتب عقارات في منطقة العلاوي، أن "الشقق التي كانت قبل نحو خمس سنوات تحقق عوائد إيجارية مرتفعة، أصبحت اليوم تواجه منافسة من المجمعات الأحدث التي توفر خدمات أفضل"، مبيّنا في حديث صحفي أن "إيجار الشقق في بعض المجمعات، مثل الصالحية، كان قبل نحو خمس سنوات يتراوح بين 800 ألف إلى مليون دينار شهرياً. فيما تتراوح الإيجارات حالياً في بعض الوحدات بين 600 و750 ألف دينار، ويصل إيجار الشقة الكبيرة المفروشة، إلى نحو مليون دينار".

ويلفت إلى أن "التراجع في الإيجار لا يشمل جميع الوحدات، إنما يرتبط بحالة كل بناية ومستوى الخدمات فيها"، مشيرا إلى أن "تردي الكهرباء الوطنية أو ضعف الصيانة وارتفاع أجور الخدمات، كل ذلك يجعل المستأجر أكثر تردداً في اختيار الشقة، حتى لو كان بدل الإيجار قليلا".

بدوره، يقول محسن سلمان، وهو صاحب مكتب عقارات في حي الجهاد، أن "سعر بيع أو إيجار وحدة سكنية في أحد المجمعات يخضع لأمور عدة، منها موقع المجمع ومستوى الخدمات العامة فيه وحالة الشقة".

ويوضح في حديث صحفي أنه "بتنا نواجه تأخرا في عمليات بيع أو تأجير شقق المجمعات القديمة. فالشخص الذي يبحث عن سكن لا ينظر إلى مساحة الشقة أو موقعها فقط، إنما إلى مقومات السكن الأساسية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء والخدمات البلدية والصيانة والأمن وغيرها، وعندما تتراجع هذه الخدمات فإن الشقة تصبح عملياً بمستوى البيت العادي، وبالتالي يقارن المشتري أو المستأجر بينها وبين البدائل المتاحة، وهو ما يؤثر في حجم الطلب عليها".

ويؤكد أن "بيع الشقق في المجمعات ضعيفة الخدمات، قد يستغرق سنوات عدة".