لا تنتهي كلفة الكهرباء التي تتحملها الأسرة شهريا عند القائمة الحكومية. فمع محدودية ساعات التجهيز، تضطر العائلات إلى الاشتراك في المولدات الأهلية لتأمين احتياجاتها اليومية من التيار الكهربائي، ما يضيف أعباء مالية أخرى إلى ميزانياتها، تتصاعد خلال شهور الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة.
وبين فاتورة حكومية قد تتجاوز في بعض الحالات مئات الآلاف من الدنانير، واشتراك في المولدة يرتفع مع انخفاض ساعات التجهيز الوطني، يجد المواطن نفسه أمام إنفاق مزدوج على الكهرباء، في وقت تطرح فيه كلفة هذه الخدمة تساؤلات عن تأثيرها في دخل الأسرة ومستوى معيشتها، لا سيما أن هذا الاستنزاف يترافق مع تصاعد مستمر في النفقات الشهرية الأخرى، من إيجارات سكنية ومصاريف يومية حتمية، في مقابل انخفاض حاد في مستويات الدخل لغالبية المواطنين، وارتفاع متواصل في أسعار المواد الأساسية والخدمات، ما يضع ميزانية العائلات محدودة ومتوسطة الدخل في عجز دائم.
وتحدد حكومات المحافظات في بداية كل شهر سعر أمبير الاشتراك لدى المولدات الأهلية، بناء على مستوى تجهيز المنظومة الكهربائية الوطنية، إلى جانب اختلاف المواسم. حيث تتباين ساعات تجهيز الكهرباء بين الشتاء والصيف والربيع والخريف، وحسب كمية الطلب على الطاقة.
ووفقا لمعطيات متداولة، فإن ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية تقل خلال ذروة فصلي الشتاء والصيف. وقد تصل في بعض الحالات إلى نحو 7 ساعات يومياً، في حين ترتفع خلال فصلي الربيع والخريف.
ويشتكي مواطنون باستمرار، من عدم التزام بعض أصحاب المولدات بالتسعيرة أو جدول التشغيل المحددين من قبل الحكومة. إذ يعمد بعضهم إلى إضافة ما بين 3 و5 آلاف دينار على سعر الأمبير المحدد رسمياً، ما يرفع الكلفة الفعلية التي يتحملها المشترك، لا سيما خلال شهور الصيف التي تشهد انخفاضاً في ساعات التجهيز الوطني وارتفاعاً في الطلب على المولدات. في حين يُبرر أصحاب المولدات خروجهم عن السعر الرسمي، بارتفاع كلفة الصيانة والأعطال المستمرة الناتجة عن التشغيل المتواصل ساعات طويلة، فضلا عن اضطرارهم في كثير من الأحيان إلى شراء مادة الكاز من السوق السوداء بأسعار مرتفعة، نتيجة لنقص أو تأخر الحصص الوقودية المدعومة من الحكومة.
مضاعفة سعر الأمبير
في حديث صحفي، يقول المواطن أحمد مازن، من بغداد، أن عائلته مشتركة بخمسة أمبيرات لدى إحدى المولدات الأهلية، وتدفع نحو 100 ألف دينار شهرياً، بواقع 20 ألف دينار للأمبير الواحد، مشيرا إلى أن "كلفة الاشتراك ترتفع خلال شهور الصيف، عندما يعمد بعض أصحاب المولدات إلى زيادة سعر الأمبير خلافا للسعر الرسمي، ليقترب في بعض الأحيان من الضعف".
أما المواطن سعدون كريم، من محافظة بابل، فيقول أن عائلته تضطر إلى تقنين استهلاكها من التيار الكهربائي، والاكتفاء بثلاثة أمبيرات فقط لتخفيف العبء المالي، مستدركا "لكن مع ذلك ندفع مبالغ تفوق طاقتنا".
ويوضح في حديث صحفي أن "صاحب المولدة يفرض تسعيرته الخاصة بحجة شراء الوقود التجاري وتكرار الأعطال، ليرتفع سعر الأمبير في الصيف بشكل غير منطقي، ما يجعلنا ندفع مبالغ طائلة، وهذا استنزاف حقيقي ومستمر لدخلنا الشهري".
عدم دقة قراءة المقاييس
في السياق، يقول المواطن يوسف طارق أن فاتورة الكهرباء الحكومية التي تصل إلى أسرته شهريا، تبلغ عادة بحدود 30 إلى 35 ألف دينار.
ويستدرك في حديث صحفي "إلا أن المبلغ قد يرتفع في بعض الشهور إلى أكثر من 200 ألف دينار، نتيجة عدم دقة قراءة العداد، ما يؤدي إلى صدور فواتير أعلى من الاستهلاك الفعلي".
ويرى طارق أنه "رغم المساوئ والمشكلات المرتبطة بالكهرباء الوطنية، إلا أنها تبقى أفضل من الاعتماد على المولدات الأهلية، التي لا يراعي بعض أصحابها ظروف المواطنين، فيكون هدفهم الأساسي تحقيق أكبر قدر من الربح".
كما يلفت إلى أن بعض أصحاب المولدات لا يقتنعون بالربح القليل، ويحاولون تبرير زيادة سعر الأمبير بارتفاع كلفة الوقود أو قلة توفره، فضلاً عن حاجة المولدات إلى الصيانة.
الوقود والصيانة يدخلان في حساب التسعيرة
في المقابل، يوضح كريم حسين، وهو صاحب مولدة في بغداد، أن التسعيرة الشهرية تُحدد وفق مجموعة من العوامل، أبرزها مستوى تجهيز الكهرباء الوطنية، وتكاليف شراء الكاز من السوق السوداء، فضلا عن كميات الوقود المدعوم الذي توفره الدولة.
ويتابع في حديث صحفي قائلا، انه "في حال عدم تجهيزنا بالكاز المجاني من الدولة خلال فصل الصيف، سنضطر إلى شرائه من السوق السوداء. حيث يصل سعر اللتر الواحد إلى نحو ألف دينار، وقد يرتفع في بعض الأحيان إلى 1250 ديناراً، ما ينعكس على كلفة التشغيل وتسعيرة الأمبير".
ويشير حسين إلى أن تكاليف صيانة المولدة تمثل أحد أبرز الأعباء التي يتحملها صاحبها، مبيناً أنه في بعض الحالات تصل تكاليف تصليح عطل ما، إلى نحو 3 ملايين دينار.
وينوّه إلى أن أسعار الاشتراك تختلف في فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة ساعات انطفاء الكهرباء الوطنية، موضحا أن سعر الأمبير الواحد قد يصل إلى 20 ألف دينار أو أكثر خلال بعض الفترات، نتيجة زيادة الطلب على التجهيز وارتفاع ساعات تشغيل المولدات.
وبشأن ساعات التجهيز، يلفت حسين إلى أنهم يجهزون المشتركين على مدار 24 ساعة، وهو ما يُعرف بـ"الاشتراك الذهبي"، لذلك لا توجد شكاوى بشأن ساعات التجهيز، إلا أن بعض المشتركين يعترضون على ارتفاع التسعيرة.
عبء اقتصادي على كاهل المواطن
من جانبه، يسلط الخبير الاقتصادي محمد الحسني، الضوء على الكلفة الإجمالية التي تتحملها الأسرة لقاء الكهرباء الوطنية واشتراك المولدات الأهلية، مبيناً في حديث صحفي أن هذه النفقات تمثل عبئاً اقتصادياً لا يظهر بصورة واضحة ضمن مؤشرات التضخم والإنفاق الأسري.
ويوضح أن "متوسط الإنفاق السنوي لأسرة متوسطة الدخل، على الكهرباء الوطنية واشتراك المولدات الأهلية، يتراوح بين مليون و100 ألف دينار ومليون و250 ألف دينار"، مؤكداً أن هذه النفقات تؤثر في المستوى المعيشي للأسرة وتستنزف جزءاً ليس قليلا من دخلها.
ويضيف الحسني قائلا أن "نفقات الكهرباء تستحوذ على نحو 10 في المائة من دخل رب الأسرة، ما ينعكس في قدرته على تغطية احتياجات أسرته الأخرى، خصوصاً في ظل تعدد الالتزامات المعيشية وارتفاع كلفة الخدمات".
ويرى أنه لا توجد حلول فعلية للمشكلة ما دامت ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية غير كافية، لافتا إلى أن اللجوء إلى الطاقة النظيفة، لا سيما الطاقة الشمسية، يمثل أحد البدائل المطروحة لتقليل الاعتماد على المولدات الأهلية.
ويستدرك "غير ان كلفة إنشاء منظومة للطاقة الشمسية قادرة على توفير نحو 15 أمبيراً، تصل إلى نحو 7 ملايين دينار، وهذه كلفة لا تزال مرتفعة بالنسبة إلى غالبية الأسر متوسطة الدخل، ما يحد من قدرتها على اعتماد الطاقة الشمسية بديلاً عن المولدات".
ويرى الحسني أن معالجة العبء المالي للكهرباء تتطلب تحسين ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية، إلى جانب توفير حلول للطاقة البديلة بتكاليف تتناسب مع القدرات المالية للمواطنين.
وبينما يعتمد المواطنون على المولدات الأهلية لسد النقص في الكهرباء الوطنية، تبقى كلفة الطاقة جزءاً ثابتاً من الإنفاق الأسري، تتأثر بمستوى التجهيز الحكومي وأسعار الوقود والصيانة والطلب الموسمي.
وتُظهر شهادات مواطنين وأصحاب مولدات، إلى جانب تقديرات خبراء اقتصاديين، أن الكلفة التي تدفعها الأسرة لتأمين الكهرباء لا تقتصر على الفاتورة الحكومية أو مبلغ الاشتراك الشهري، بل تشمل مجموعة من النفقات التي تتراكم على مدار العام، ما يجعل الكهرباء واحدة من الخدمات المُكلفة، التي تفرض نفسها بشكل مستمر على ميزانية الأسرة.