تكشف إحصائيات رسمية حصلت عليها وكالات أنباء، عن وقوع 385 حادث صعق كهربائي تعرض لها موظفو صيانة الكهرباء في البلاد خلال اربع سنوات من 2020 إلى 2024، بينها 292 إصابة و66 حالة وفاة موثقة، ما يثير أسئلة بشأن طبيعة بيئة العمل ومعايير السلامة، ومستوى الحماية الممنوحة للعاملين في هذا القطاع الذي يُعاني أساسا تدهورا في التجهيز وخطوط النقل رغم إنفاق مليارات الدولارات عليه.
جدير بالذكر، ان آخر ما تم تسجيله رسميا من حوادث في قطاع الكهرباء، هو حادث انفجار محوّلة يوم الاثنين الماضي في "محطة الفارابي" الكهربائية بمنطقة الشمّاعية في بغداد. وقد أسفر الحادث عن مصرع مدير المحطة وإصابة ثلاثة عمال آخرين – وفقا لوكالات أنباء.
إنّه أبوك.. قتلته الكهرباء!
خلال أدائه عمله اليومي في مطعم بقضاء سوق الشيوخ في ذي قار، تلقى الشاب مقتدى أحمد جعفر اتصالاً هاتفياً من عمه، يطالبه بالذهاب فوراً إلى طوارئ المستشفى: "إنه أبوك"!
يقول مقتدى في حديث صحفي: "لا اعرف كيف وصلت إلى المستشفى.. لا أتذكر شيئاً، سوى إني وجدت والدي ملقى على السرير جثة هامدة"!
ويوضح أن والده الموظف الفني في فرع توزيع كهرباء ذي قار، مات بصعقة كهربائية أثناء قيامه بصيانة أحد الأعمدة، مبيّنا أن والده كان في الخامسة والأربعين من عمره، وانه معروف بكفاءته وحرصه على متطلبات الأمان. حيث يرتدي معدات السلامة باستمرار.
ما جرى لوالد مقتدى، حلقة من سلسلة طويلة من حوادث متشابهة، تثير أسئلة كثيرة بشأن بيئة العمل في البلاد، ومستوى الحماية الممنوحة للعاملين.
ومع كل حادث موت او اصابة لأحد عاملي الكهرباء، يتصاعد الجدل بشأن الأسباب الكامنة وراء مثل هذه الحوادث. وبينما يرجع مسؤولون السبب الرئيس الى عدم التزام بعض العمال بإجراءات السلامة، تكشف شهادات فنيين ومهندسين في مراكز الصيانة عن قصور في الإجراءات الوقائية وأحيانا عن نقص في المعدات الأساسية. فيما يرى آخرون ان السبب يكمن في أخطاء فنية جسيمة تُرتكب أثناء تنفيذ الأعمال.
تعويض خجول ومعدات سلامة قديمة!
علي كاظم، وهو مهندس صيانة في إحدى دوائر الكهرباء ببغداد، تعرض لحادث عمل، ترك في جسده عاهة مستديمة.
يقول في حديث صحفي، أنه تلقى في تموز 2016 بلاغاً عن عارض فني في أحد خطوط نقل الطاقة. فتوجّه إلى الموقع مع خمسة من زملائه، جميعهم يعملون بصفة أجر يومي، مضيفا أنه "ما أن وصلنا حتى بدا واضحاً أن معدات السلامة شبه معدومة. شعرت أن المخاطرة كبيرة، فقررت أن أتولى المهمة بنفسي لأحمي زملائي من الخطر، لكن المفاجأة كانت صادمة، فشاحنة الرافعة التي يفترض أن توفر الأمان أثناء العمل لم تكن معزولة ضد الكهرباء"!
ويبيّن كاظم أن توخيه الحذر لم يكن كافيا. إذ تعرض إلى صعقة كهربائية وهو على الرافعة، ما أدى إلى بتر يده اليمنى، وإصابة ظهره. فيما استغرق علاجه وقتاً طويلاً تضمن سفرا إلى الخارج على نفقته الخاصة.
اعاقة العمل، دفعته وزملاء آخرين له تعرضوا كذلك لإصابات عمل، إلى طرق أبواب المسؤولين طلبا لإنصافهم. حيث يضطر الضحايا إلى إجراء سلسلة عمليات جراحية على نفقتهم الخاصة، في وقت لا يحصلون فيه إلا على تعويضات رمزية!
ويؤكد كاظم انهم لم يحصلوا سوى على مكافأة مالية قدرها 500 ألف دينار لكل واحد منهم، وهذا المبلغ لا يُغطي سوى جزء بسيط من تكاليف العلاج.
ويلفت إلى أن المعدات التي كانت تُمنح له ولزملائه، عادة ما تكون "قديمة أو منتهية الصلاحية"، مبيّنا أن "القفازات الخاصة بالضغط العالي كانت تستورد بعد أربع سنوات من تاريخ إنتاجها، ثم تخزن في المخازن حتى توزع علينا وهي منتهية الصلاحية". وينوّه كاظم إلى أن "المشكلة لا تقتصر على قدم المعدات، بل تمتد إلى ضعف الجودة وغياب الفحص الفني. كما ان العمال الجدد يصلون إلى مراكز الصيانة دون أن يتلقوا أي تدريب على كيفية استخدام معدات السلامة وحماية أنفسهم، ما يقودهم في النهاية إلى حوادث خطيرة".
وعلى الرغم من وجود أقسام للسلامة في كل قطاعات وزارة الكهرباء، إلا أن كاظم يشير إلى أن "توزيع المعدات يتم بنحو غير عادل. ففي بعض القطاعات يوجد مثلا 40 عاملا، 10 منهم فقط يحصلون على معدات السلامة"! وتنقل شبكة "نيرج" للصحافة الاستقصائية عن الفني في مركز صيانة الكهرباء في المنصور، مسلم عباس، قوله أنه "منذ 5 سنوات وأنا أشتري معدات السلامة على نفقتي الخاصة، بسبب عدم توفرها أو تجهيزها من قبل الوزارة".
ضعف التنسيق بين فرق الصيانة ومراكز التشغيل
يكشف الفني في قسم صيانة مديرية توزيع كهرباء الجنوب، عدي فالح، عن سبب آخر للحوادث لا يقل خطورة عن نقص معدات السلامة أو ضعف الالتزام بها، يتمثل في ضعف التنسيق بين فرق الصيانة ومراكز التشغيل.
ويوضح في حديث صحفي، أنه في عام 2014، وبينما كان ينفذ عملية لربط مغذيات الضغط العالي في إحدى مناطق البصرة، أعيد التيار الكهربائي فجأة إلى الخط الذي كان يعمل عليه، نتيجة خطأ بشري ارتكبه أحد موظفي التشغيل، مشيرا إلى انه فقد ذراعه اليمنى وأصيب ظهره إصابات لا تزال آثارها موجودة، ووقتها كان يعمل بصفة أجر يومي، ما حرمه من أي حقوق قانونية أو تعويض رسمي. إذ اكتفى المسؤولون بمنحه مكافأة مقدارها مليون دينار فقط!
ويؤكد فالح أن رحلته العلاجية كانت طويلة ومكلفة. حيث اضطر إلى اقتراض عشرة ملايين دينار لإجراء ست عمليات جراحية!
في السياق، يقول الموظف الفني في أحد مراكز الكهرباء بمحافظة ديالى، عمر عبد العزيز، أن الأخطاء الفنية وسوء التنسيق بين فرق الصيانة ومحطات التشغيل من الأسباب الشائعة لحوادث الصعق الكهربائي، موضحا في حديث صحفي أنه "كثيراً ما يعاد تشغيل الخطوط أثناء وجود الفنيين عليها، ما يعرضهم مباشرة للصعق".
ويشير إلى ان مديرية كهرباء ديالى توفر معدات أساسية، مثل الخوذة والبدلة والقفازات والحزام، لكنها تمنحها للعاملين مرتين فقط في السنة، وغالباً ما تكون "رديئة المنشأ وغير خاضعة لفحص دقيق"، الأمر الذي يدفع عمال كثيرين إلى شراء معدّاتهم على نفقتهم الخاصة.
فيما ينبّه إلى أن بعض العمال لا يلتزمون بارتداء معدات السلامة إلا حين تكون هناك لجان رقابية، خصوصاً الذين يفتقرون إلى التأهيل الأكاديمي.
ضغوط متراكمة
من جانبه، يتحدث مهندس الصيانة في مديرية توزيع كهرباء واسط، نجم العتابي، عن حادث صعق حصل عام 2025 أودى بحياة عاملين، منوّها في حديث صحفي إلى أن ذلك الحادث لن يكون الأخير ما لم يتم اعتماد خطة واقعية لتطبيق إجراءات السلامة ومتابعة الكوادر الميدانية.
ويؤكد أن "عامل الصيانة يواجه ضغوطاً متراكمة، خصوصاً خلال الصيف. حيث تصل درجات الحرارة الى 50 مئوية، وتضطر الكوادر الفنية الى العمل في تلك الأجواء اللاهبة والتعامل مع أسلاك وأجهزة خطرة، في وقت تتزايد فيه الأعطال".
عدم تطبيق التوصيات الوزارية
تتداول وكالات أنباء وثائق رسمية صادرة عن وزارة الكهرباء، تكشف عن حزمة من التوصيات الهادفة إلى تقليص الحوادث الناجمة عن الصعق الكهربائي. وبحسب الوثائق، تشدد الوزارة على ضرورة تفعيل دور اللجان التفتيشية في الشركات العامة التابعة لها، مع منحها صلاحية تنفيذ زيارات مفاجئة لمواقع العمل ومحاسبة المقصرين عند رصد أي انتهاك لتعليمات السلامة المهنية.كما تدعو إلى التأكد من الإطفاء التام للخطوط الكهربائية قبل المباشرة بأي عملية صيانة، فضلا عن وضع علامات تحذيرية على قواطع الدورة الكهربائية أثناء العمل على خطوطها، وعدم رفعها إلا بعد إكمال المهمة.
في جانب آخر، توجّه الوزارة بإصدار "شهادة فحص هندسي دوري" لكل الآليات والرافعات المستخدمة في أعمال الصيانة. فيما تُشدد على أهمية استخدام كامل معدات الوقاية الشخصية، وعدم السماح لأي موظف بمباشرة العمل من دونها.
كذلك توصي الوزارة في وثائقها بإجراء فحوصات طبية دورية للعاملين، للتأكد من قدرتهم الصحية على أداء مهامهم.
لكن على الرغم من وضوح توصيات الوزارة، تكشف شهادات مهندسين وفنيين في قطاع الكهرباء، عن أن غالبية هذه التوصيات لا تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي "فلا تزال فرق الصيانة تفتقر إلى معدات السلامة الكاملة. بينما تغيب الفحوص الطبية الدورية" – وفق ما تنقله وكالات أنباء عن مهندسين وفنيين.
ماذا عن حقوق الضحايا؟!
رغم أن قانون العجز الصحي للموظفين رقم (11) لسنة 1999 رسم بوضوح حقوق الموظفين المصابين أثناء العمل وآليات تعويضهم، إلا أن اختصاصيين في القانون يرون أن تطبيقه يواجه أحيانا عقبات إدارية وإجرائية تحرم بعض المتضررين من حقوقهم – حسب وكالات أنباء.
كما أن أحكام هذا القانون لا تشمل العمال من ذوي العقود والأجور اليومية. إذ تقتصر آليات التعويض المقررة فيه على موظفي الملاك الدائم، رغم أن الفئة الأولى ليست بمنأى عن مخاطر العمل الميداني.