تشهد محافظة ميسان ارتفاعا في أعداد المصابين بمرض العجز الكلوي، في ظل محدودية الخدمات الطبية المتخصصة المقدمة لهذه الشريحة، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من تفاقم المشكلة وتحولها إلى أزمة صحية، تتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات المعنية.
نقص واضح في الخدمة العلاجية
يقول علاء المحمداوي، ناشط مهتم بملف مرضى العجز الكلوي، إن أعداد المصابين بهذا المرض في المحافظة وصلت إلى قرابة 500 مصاب، يتلقون العلاج في مركزي الغسل الكلوي في مستشفى الشهيد الصدر ومستشفى السيد الحكيم وسط مدينة العمارة.
ويرجع المحمداوي أسباب ارتفاع الإصاباب، لمجموعة من العوامل، من بينها تلوث المياه وتلوث البيئة بصورة عامة، فضلا عن انتشار الأمراض المزمنة والعامل الوراثي الى جانب تأثيرات النشاط النفطي وما يرتبط به من مستخرجات ومخلفات قد تسهم في زيادة المخاطر الصحية والبيئية.
وفي مقابل تزايد أعداد المرضى، يشير المحمداوي لعدم تشكيل لجنة متخصصة حتى الآن تضم الجهات المعنية في جامعة ميسان ودوائر البيئة والصحة، بهدف دراسة أسباب انتشار المرض ووضع معالجات عملية للحد من تزايد الإصابات.
ويعاني مرضى العجز الكلوي في ميسان، وفق ما يطرحه المحمداوي، من نقص واضح في الخدمات التخصصية، إذ لا تمتلك المحافظة مستشفى متخصصاً لعلاج المرضى، فيما تقتصر الخدمات المتاحة على مركزي الغسل، مع وجود طبيب اختصاص واحد في أمراض الكلى.
ويضيف أن محدودية الإمكانات الطبية تدفع العديد من المرضى للبحث عن العلاج خارج المحافظة، ولا سيما في مدن شمال العراق حيث تتحمل العائلات تكاليف علاج وعمليات مرتفعة، الامر الذي يزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المرضى وذويهم.
حملات التبرع تنقذ حياة المرضى
وأمام هذه التحديات، تحولت المبادرات الشعبية وحملات التبرع إلى وسيلة أساسية لمساعدة المرضى في تحمل نفقات العلاج، في ظل تراجع الدور المؤسسي في معالجة أسباب المشكلة وتوفير الدعم الكافي للمصابين.
ويؤكد المحمداوي أن المبادرات الإنسانية أسهمت في مساعدة عدد من أبناء المحافظة، موضحاً أنه جرى، ضمن هذا الجهد، إجراء أكثر من 75 عملية زراعة كلى لمرضى من أبناء ميسان في مستشفى الفاروق بالسليمانية، بكلفة بلغت نحو 55 مليون دينار للعملية الواحدة.
وطبقا لتصريحات دائرة صحة ميسان، فإن معدلات الإصابة "طبيعية"، كما ان علاجات مرضى العجز الكلوي "متوفرة" في المؤسسات الصحية المختصة، ولا صحة لما يتم تداوله في بعض الصفحات ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن انقطاع العلاج.
مؤشرات بيئية مقلقة في ميسان
من جانبها، تقول الطبيبة المختصة، فاطمة العلي، إن ملف أمراض الكلى في ميسان يحتاج لدراسة طبية وعلمية، في ظل ارتفاع أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى الغسل الكلوي، مؤكدة أن تحديد الأسباب الحقيقية وراء الحالات المسجلة يتطلب الاعتماد على الإحصاءات والدراسات الميدانية، وعدم ربط المرض بعامل واحد من دون أدلة علمية.
وتضيف فاطمة في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "الفشل الكلوي من الأمراض التي يمكن أن تنتج عن أسباب متعددة، وفي مقدمتها مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، إضافة لبعض الأمراض المناعية والوراثية والتهابات الكلى، فضلا عن الاستخدام غير الصحيح لبعض الأدوية والمسكنات".
وتشير إلى أن المحافظة تمتلك حاليا مركزين للغسل الكلوي، أحدهما في مستشفى الشهيد الصدر والاخر في مستشفى الحكيم، فيما يعمل مركز الحكيم بطاقة 12 جهاز مع خطة لزيادة العدد إلى 20 جهازا بهدف تخفيف الزخم عن مركز الصدر وتقليل أوقات انتظار المرضى. وأكدت الطبيبة أن "وجود مراكز للغسل لا يعني أن المشكلة انتهت، لأن المريض الذي يصل لمرحلة الفشل الكلوي يحتاج إلى متابعة مستمرة، كما أن المحافظة بحاجة تطوير خدمات تشخيص أمراض الكلى والكشف المبكر عنها، فضلاً عن توفير خيارات علاجية متقدمة للمرضى المؤهلين لزراعة الكلى". وحول ما يثار بشأن ارتباط تلوث المياه والبيئة بالنشاط النفطي، بارتفاع حالات العجز الكلوي في ميسان، قالت فاطمة أن "التلوث البيئي بالتأكيد يمثل خطرا على صحة الإنسان، ويجب أن تكون هناك مراقبة مستمرة لجودة المياه والتربة والهواء، لكن من الناحية الطبية لا نستطيع القول إن تلوث المياه أو النشاط النفطي هو السبب المباشر للفشل الكلوي في ميسان ما لم توجد دراسة علمية تثبت هذه العلاقة".
وتابعت: "نحن بحاجة إلى دراسة وبائية حقيقية تشمل أعداد المرضى وأعمارهم ومناطق سكناهم وتاريخهم المرضي، إلى جانب فحص مصادر المياه والملوثات البيئية، وبعد ذلك يمكن مقارنة النتائج والوصول إلى استنتاجات علمية دقيقة".
وأشارت الى أن وجود مؤشرات بيئية مقلقة في ميسان يجعل إجراء مثل هذه الدراسة أمرا مهما، خصوصاً أن تقارير حديثة تحدثت عن وجود مشكلات بيئية مرتبطة بالنشاط النفطي وتلوث المياه والتربة في بعض المناطق، وهو ما يستدعي التحقق العلمي من انعكاساتها الصحية بدلاً من الاكتفاء بالتكهنات.
وأضافت أن أبرز الفحوصات الأولية تشمل فحص وظائف الكلى وتحليل الادرار وقياس ضغط الدم ومستويات السكر، مع تحديد الفحوصات الإضافية وفقاً للحالة الصحية لكل شخص.
وحذرت الطبيبة من الاستعمال العشوائي للمسكنات والأدوية، قائلة إن "بعض الأدوية، وخصوصا عند استخدامها لفترات طويلة ومن دون إشراف طبي، يمكن أن تؤثر في وظائف الكلى، لذلك يجب عدم تناولها بصورة مستمرة من دون استشارة الطبيب".
وقالت: "نحتاج إلى أرقام رسمية دقيقة؛ كم عدد المرضى؟ أين يسكنون؟ ما أعمارهم؟ ما الأمراض المزمنة التي يعانون منها؟ وما مصادر المياه التي يعتمدون عليها؟ وهل توجد عوامل بيئية مشتركة بينهم؟ هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تقودنا إلى معرفة السبب الحقيقي".
وبشأن ما يقال عن تصدر ميسان للمحافظات العراقية في أعداد المصابين بالعجز الكلوي، أوضحت فاطمة أن "مثل هذه المقارنات تحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة، لأن الأرقام وحدها لا تكفي، بل يجب احتساب عدد السكان ونسبة الحالات إلى السكان، واعتماد تعريف موحد للحالات المسجلة".
تراجع الزراعة وتوسع النشاط النفطي
اما الناشط المدني مصطفى جار الله، الذي يسكن ناحية بني هاشم، فيقول إن محافظته تواجه تحديات بيئية وخدمية متراكمة انعكست، بحسب رأيه، على الواقع الصحي للسكان، مشيرا إلى أن ميسان، التي كانت تجمع بين النشاطين النفطي والزراعي، شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في قطاع الزراعة مقابل توسع النشاط النفطي.
وأوضح مصطفى لـ"طريق الشعب"، أن "ميسان محافظة زراعية في الأساس، لكن خلال السنوات الأخيرة بدأت تتحول بشكل أكبر إلى محافظة نفطية فقط، خصوصاً مع إحالة مناطق وأراض ضمن هور الحويزة ومناطق الأهوار إلى جولات التراخيص، وما رافق ذلك من أعمال حفر واستخراج للنفط وتأثير ذلك على مصادر المياه".
وأشار إلى أن النشاط النفطي المتزايد يفرض، بحسب رأيه، ضرورة وجود رقابة بيئية وخدمات صحية تتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي، مبينا أن المحافظة تضم عدداً من الشركات النفطية، في حين لا يلمس المواطن، على حد وصفه، مستوى مماثلاً من الخدمات الصحية والخدمية.
وقال مصطفى: "لدينا حاليا نحو خمس شركات نفطية تعمل في المحافظة لكن في المقابل لا نرى خدمات صحية وخدمية تتناسب مع حجم النشاط النفطي وما يترتب عليه من آثار وضغوط على البيئة والسكان".
وحول الواقع الصحي، لفت إلى وجود مشكلات في الأجهزة والمعدات الطبية، ولا سيما في الخدمات التي يحتاجها مرضى الكلى، موضحاً أن "جزءا من الأجهزة يكون خارج الخدمة بسبب الأعطال، وهذا ما ينعكس مباشرة على المريض، حتى عندما تكون الأجهزة متوفرة.
وأضاف أن المريض الذي يحتاج إلى جلسات غسل كلوي قد ينتظر أياما للحصول على موعد، مردفا: "في بعض الحالات يحتاج المريض إلى الانتظار نحو عشرة أيام حتى يحصل على موعد، اما إذا كانت بعض الأجهزة عاطلة فإن فترة الانتظار قد تطول أكثر، وهذا يضع المريض وعائلته أمام خيار الذهاب إلى المستشفيات الأهلية وتحمل تكاليف إضافية". وأكد مصطفى أن مشكلة مرضى الكلى لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الواقع البيئي والخدمي في المحافظة، داعياً إلى ربط الملف الصحي بالدراسات البيئية ومراقبة جودة المياه ومصادر التلوث.
وقال: "نحن لا نقول إن النفط وحده هو سبب الأمراض أو الفشل الكلوي، لكن عندما تكون لدينا محافظة تضم نشاطاً نفطياً واسعاً، وفي الوقت نفسه تعاني من تراجع المياه والزراعة ومشكلات بيئية، فمن الضروري أن تكون هناك دراسات علمية مستقلة لمعرفة تأثير هذه العوامل على صحة المواطنين".
ودعا الجهات الحكومية إلى زيادة عدد أجهزة الغسل الكلوي، وصيانة الأجهزة المتوقفة بصورة عاجلة، وتوفير قطع الغيار والمستلزمات الطبية، وزيادة أعداد الكوادر المتخصصة، فضلاً عن تطوير الخدمات الصحية داخل المحافظة لتقليل اضطرار المرضى إلى العلاج خارجها.
وختم مصطفى بالقول ان "ميسان تقدم الكثير من مواردها النفطية ومن حق أهلها أن يحصلوا بالمقابل على خدمات صحية وبيئية تليق بحجم هذه الموارد. المطلوب ليس فقط معالجة المريض بعد إصابته، وإنما معالجة أسباب التلوث ومراقبة البيئة والاهتمام بالمياه والزراعة، لأن صحة الإنسان تبدأ من البيئة التي يعيش فيها".