بغداد – طريق الشعب
مع اقتراب درجات الحرارة من خمسين درجة مئوية، يواصل آلاف الحمالين في سوق الشورجة، وسط بغداد، عملهم، وهم لا يملكون رفاهية الاحتماء من الشمس أو التوقف عن العمل. فمنذ ساعات الفجر الأولى وحتى ما بعد الظهيرة، يواصلون جر العربات المحملة بالبضائع أو حملها على ظهورهم، بحثا عن أجر يومي قد لا يكفي لسد احتياجات أسرهم.
وما إن تقترب الساعة من العاشرة صباحا حتى تبدأ ملامح الإرهاق بالارتسام على وجوههم. ولا يملك معظمهم وسائل للحماية سوى لف مناشف أو قطع قماش مبللة بالماء حول رؤوسهم وأعناقهم، يعيدون تبليلها بين حين وآخر لعلها تخفف شيئا من لهيب الشمس، قبل أن تجف سريعا، فيواصلوا العمل خشية ضياع فرصة رزق قد لا تتكرر في ذلك اليوم.
ورغم التحذيرات الصحية من التعرض المباشر لأشعة الشمس، يبقى هؤلاء العمال في مواقعهم، مؤكدين أن الحاجة إلى لقمة العيش أقوى من الحر، فيما لا يزال الكثير منهم يفتقر إلى الضمان الاجتماعي وأبسط أشكال الحماية.
"هذه المنشفة سلاحنا الوحيد"
يقول أبو سجاد الكعبي، الذي يعمل حمالا في الشورجة منذ أكثر من عشر سنوات، إن يومه يبدأ قبل شروق الشمس، آملا في الحصول على أكبر عدد ممكن من الزبائن قبل اشتداد الحر. ويضيف لـ "طريق الشعب"، وهو يعيد تبليل المنشفة الملفوفة حول رأسه: "هذه المنشفة هي وسيلتنا الوحيدة لمقاومة الحر، لكن بعد دقائق تجف من شدة الحرارة، فنبللها مرة أخرى ونواصل العمل. إذا جلسنا في البيت من دون عمل خلال أيام ارتفاع درجات الحرارة، فلن نتمكن من سد متطلبات أسرنا"، مشيراً إلى أنه يعيل أسرة كبيرة، وأن دخله اليومي يتراوح بين خمسة آلاف و25 ألف دينار، بحسب حركة السوق.
ويتابع: "المسؤولون يتذكرون العمال في مواسم الانتخابات فقط، ثم تختفي الوعود، ويبقى العامل وحده يواجه الحر والفقر. فأغلب الحمالين في منطقة الشورجة غير مشمولين بالضمان الاجتماعي، كما أن أجورنا لا تكفي لتسديد اشتراكات الضمان الشهرية، لذلك يبحث كثير منا عن الرعاية الاجتماعية، على الرغم من ضآلة رواتبها".
خريجون على عربات الحمل
ولا تقتصر المهنة على كبار السن، إذ دفعت البطالة عددا من خريجي الجامعات والمعاهد إلى مزاولة هذا العمل الشاق. مجيد جبار، خريج كلية الإدارة والاقتصاد، يقول إنه أمضى سنوات يبحث عن فرصة عمل تتناسب مع شهادته، لكن من دون جدوى. ويضيف "قدمت عشرات الطلبات، وكل مرة كنت أسمع وعودا بالتعيين، لكنها لم تتحقق. في النهاية عدت إلى السوق لأن عائلتي تحتاج إلى دخل يومي".
ويبين أن أكثر ما يرهقه ليس ثقل البضائع فحسب، بل العمل في أجواء تصل فيها الحرارة إلى نحو خمسين درجة مئوية، قائلا: "الكثير من الحمالين في السوق يعانون اليوم إجهادا كبيرا بسبب شدة الحر، لكننا نكمل العمل لأن التوقف يعني خسارة رزق اليوم". ويوضح بأن ما يجنيه لا يكفي إلا لتوفير الاحتياجات الأساسية، بينما تبقى أحلامه في الحصول على وظيفة مستقرة، مؤجلة.
طفولة على الأرصفة
وفي أزقة السوق نفسها، يلفت الانتباه وجود أطفال يجرون العربات بين المتسوقين، وقد دفعتهم الظروف الاقتصادية إلى ترك مقاعد الدراسة مبكرا.
الطفل حسن كريم يقضي يومه متنقلا بين المحلات، عارضا على الزبائن نقل مشترياتهم مقابل مبلغ زهيد. ويقول لـ "طريق الشعب": "أحيانا يرفض الناس عرضي لأنهم يعتقدون أنني صغير ولا أستطيع حمل البضاعة، لكنني أعمل منذ سنوات وأعرف السوق كلها". ويضيف أن والده مريض، وأنه يعمل مع شقيقه لتأمين مصاريف الأسرة، مؤكدا أنه لم يعد إلى المدرسة منذ سنوات بسبب ضيق الحال. ويحصل حسن، في أفضل الأيام، على نحو عشرين ألف دينار، يسلمها كاملة إلى والدته لتغطية نفقات المنزل.
حماية غائبة
ويؤكد عدد من الحمالين أن استمرارهم في العمل تحت هذه الظروف القاسية يعكس غياب برامج حقيقية لحماية العمال غير المنظمين، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى توفير مظلات، وأماكن للاستراحة، ومياه شرب باردة، فضلا عن شمولهم بقانون الضمان الاجتماعي.
ومع حلول الظهيرة، يجلس بعض الحمالين لدقائق معدودة في زوايا ضيقة بين المحال التجارية، يتناولون وجبة الغذاء قبل العودة إلى جر العربات. وجوه أنهكها التعب، ومناشف مبللة تلتف حول الرؤوس في محاولة لمقاومة شمس لا ترحم. لكن الحاجة إلى لقمة العيش تدفعهم للنهوض من جديد، لتبقى الشورجة، كل يوم، شاهدة على معاناة عمال يواجهون حرارة الصيف القاسية بأجسادهم العارية من أي حماية، أملا في تأمين قوت عائلاتهم.