متابعة – طريق الشعب
في إحصائية ثقيلة لحالات الطلاق المسجلة شهريا خلال العام 2023 في العراق، كشف مجلس القضاء الأعلى عن أن عددها بلغ في شهر آب، 6973 حالة، بمعدل نحو 235 حالة يوميا، ونحو 10 حالات في الساعة الواحدة.
هذه الأرقام التي تتزايد عاما بعد آخر، تؤشر استمرار أزمة ارتفاع معدلات الطلاق في البلاد، والتي تشمل عشرات آلاف الحالات سنويا. حيث تم تسجيل أكثر من 73 ألف حالة طلاق خلال عام 2022 - وفق بيانات رسمية.
أما هذا العام وتحديدا في حزيران الفائت، فقد سجلت محاكم البلاد، باستثناء إقليم كردستان، 6250 حالة طلاق، بمعدل يقارب 208 حالات يومياً، وهو رقم يسلط الضوء على اتساع الظاهرة وما تفرضه من تحديات اجتماعية ونفسية، لا سيما على الأطفال الذين يجدون أنفسهم الطرف الأكثر تأثرا بتفكك الأسرة.
ويرى اختصاصيون أن تلك القفزات القياسية في معدلات الطلاق، تأتي نتيجة تشابك عوامل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية معقدة، تحولت إلى أزمة مجتمعية واضحة. حيث تأتي الضغوط المالية وتدني مستويات الدخل وأزمة السكن المستقل كوقود أول للاشتعال المستمر في الخلافات الزوجية، يرافقها غياب النضج الفكري والجسدي نتيجة الاندفاع نحو تزويج القاصرين والعجز عن تحمل أعباء المسؤولية، فضلا عن الاختراق الرقمي لوسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق فجوة عميقة وجفاء عاطفيا بين الأزواج، لتكتمل هذه الحلقة بالتدخلات العائلية الخانقة من الأقارب التي تضخم النزاعات البسيطة وتحولها إلى قضايا طلاق مستعصية تدفع بالأسر والأنظمة المجتمعية نحو التفكك.
وإذ تتصاعد هذه الآفة الاجتماعية الخطيرة، لا يبدو أن هناك أي خطط أو برامج حكومية جادة ترتقي لمستوى الأزمة أو تضع كوابح حاسمة للحد من تداعياتها المتفاقمة. ويظهر هذا العجز جليا في غياب الاستراتيجيات الوطنية الشاملة. حيث يقتصر الدور الحكومي على معالجة الآثار الارتدادية للمشكلة بدلا من تفكيك مسبباتها، وسط افتقار تام لبرامج الدعم الاقتصادي الموجهة للأسر الشابة، وغياب مراكز التأهيل والإرشاد الأسري الإلزامية قبل عقد القران، فضلا عن ضعف التشريعات القانونية التي تضبط زواج القاصرين خارج المحاكم، ما يترك الأسرة تواجه مصير التفكك وحدها دون مظلة حماية مؤسساتية تلجم هذا الانهيار المجتمعي المتسارع – حسب اختصاصيين.
جرح نفسي
لم يكن أمير خلدون يدرك، وهو في الخامسة من عمره، أن انفصال والديه سيترك جرحاً نفسياً يرافقه حتى سنوات شبابه. فالخوف من الأصوات المرتفعة، وهاجس الفقد، وضعف الثقة في النفس، تحولت جميعها إلى جزء من حياته اليومية، لتصبح طفولته شاهدا على الأثر العميق الذي قد يتركه الطلاق في نفوس الأطفال.
يروي خلدون، وهو أحد أبناء الأسر التي انتهى فيها الزواج بالانفصال، تفاصيل طفولة يقول إنها لا تزال تطارده حتى اليوم.
ويوضح في حديث صحفي أنه "منذ أن كان عمري خمس سنوات وأنا أخاف من الأصوات المرتفعة، وأعيش هاجس الفقد وما زلت أشعر أن شيئاً ينقصني منذ انفصال والدي"، مضيفا قوله: "نشأت ضعيف الشخصية، أخشى كل شيء، حتى إن المقربين مني كانوا يلقبونني بـ(صاحب الدمعة اللامعة)، لأنني كنت كثير البكاء والحزن بسبب انفصال والدي، لم أجد من يحتويني نفسياً، فكبرت بين الإهمال وقسوة الظروف، وما زلت أحمل آثار تلك المرحلة".
ولا تعد قصة أمير خلدون استثناءً. إذ يرى اختصاصيون أن الطلاق من أكبر الهزات التي قد تتعرض لها الأسرة، لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية تمتد إلى الأطفال، وقد تستمر معهم سنوات طويلة إذا لم تتوافر برامج متخصصة للدعم والرعاية.
ويشيرون إلى أن انفصال الوالدين يخلق حالة من القلق والحيرة لدى الأطفال نتيجة التغيرات المفاجئة التي تطرأ على حياتهم اليومية، كما يزيد من احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات السلوك وصعوبات التكيف الاجتماعي، فضلاً عن تنامي مشاعر الخوف من المستقبل وفقدان الإحساس بالأمان.
محدودية برامج الدعم النفسي
ومع الارتفاع المتواصل في معدلات الطلاق، تتزايد المطالب بإنشاء برامج حكومية متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي، لمساعدة الأطفال على تجاوز آثار الانفصال، والحد من انعكاساته السلبية على نموهم النفسي والعاطفي.
وفي مقابل هذا الارتفاع، يرى اختصاصيون أن برامج الدعم النفسي الموجهة للأطفال لا تزال محدودة، فيما تفتقر العديد من المؤسسات التعليمية والاجتماعية إلى آليات واضحة لرصد الأطفال المتضررين من الطلاق ومتابعة أوضاعهم النفسية، الأمر الذي يجعل كثيرين منهم يواجهون آثار الانفصال بمفردهم، دون رعاية.
وترى أستاذة أدب الأطفال في الجامعة المستنصرية، طاهرة داخل، أن معالجة الآثار النفسية للطلاق لا يمكن أن تقتصر على الجوانب المادية، إنما تتطلب وجود مؤسسات متخصصة تتولى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال.
وتضيف قائلة في حديث صحفي، أن العراق بحاجة إلى مؤسسات حكومية متخصصة تُعنى بالدعم النفسي والاجتماعي والتربوي للأطفال الذين يواجهون آثار انفصال والديهم، مؤكدة أن رعاية هذه الفئة يجب أن تستند إلى برامج علمية وخطط مدروسة تتابع الحالة النفسية للطفل وتقيس مدى تعافيه وتقدمه.
وتشير إلى أن "توفير النفقة المادية لا يكفي لضمان تنشئة طفل يتمتع بصحة نفسية سليمة. إذ يحتاج إلى الشعور بالأمان العاطفي والارتباط الوجداني بكلا والديه"، محذرة من أن "إضعاف هذه العلاقة أو قطعها، من دون أن تقتضي مصلحة الطفل ذلك، قد يترك آثاراً نفسية عميقة تمتد إلى مراحل متقدمة من حياته".
ماذا عن دور المؤسسات التربوية؟!
من جانبها، ترى رئيسة "منظمة أليس" للأسرة والطفل، مريم الفرطوسي، أن غياب برامج الدعم النفسي للأطفال بعد الطلاق يفاقم من حجم المشكلات التي يواجهونها، داعية في حديث صحفي إلى تفعيل دور المؤسسات التربوية والاجتماعية في احتواء هذه الفئة.
وتلفت إلى أن المرشدين التربويين في المدارس عليهم أداء دور أكثر فاعلية في رصد الأطفال الذين يعانون اضطرابات نفسية ناجمة عن الخلافات الأسرية أو الطلاق، والعمل على مساعدتهم قبل تفاقم مشكلاتهم.
وتتابع قولها أن ضعف دور المرشد التربوي، إلى جانب غياب برامج الدعم النفسي في المؤسسات المعنية، يساهمان في تفاقم الاضطرابات النفسية لدى الأطفال، وقد يقودان بعضهم إلى الانحراف السلوكي، مشيرة كذلك إلى محدودية دور الباحثين الاجتماعيين في محاكم الأحوال الشخصية.
وتلفت الفرطوسي إلى أن "الطفل غالباً ما يكون الضحية الأولى أثناء إجراءات الانفصال. إذ يشهد لحظات التفريق بين والديه داخل المحكمة من دون أن يتلقى أي دعم نفسي يساعده على تجاوز الصدمة".
ضعف دور الباحثين الاجتماعيين
في السياق، يؤكد الباحث الاجتماعي نبراس علي، العامل في إحدى محاكم الأحوال الشخصية، أن "الباحثين الاجتماعيين يواجهون يومياً عشرات القضايا المتعلقة بالخلافات الزوجية والنفقة والحضانة، إلا أن قدرتهم على التدخل تبقى محدودة في ظل تعقد الكثير من النزاعات".
ويضيف قائلا في حديث صحفي: "نأخذ في الاعتبار عمر الطفل وحالته النفسية وميوله، فضلاً عن قدرة كل من الأب أو الأم على توفير بيئة مستقرة. كما ندرس الظروف المادية والاجتماعية والسلوكية للأسرة، ثم نرفع تقريراً مهنياً إلى القاضي لمساعدته في اتخاذ القرار الذي يحقق مصلحة الطفل".
وينوّه علي إلى أن "بعض الباحثين ينجحون في إقناع الأزواج بالعدول عن الانفصال حفاظاً على الأسرة والأطفال، إلا أن هذه الحالات تبقى محدودة مقارنة بالأعداد المتزايدة لحالات الطلاق".
طفولة تتلقى صدمات!
تجسد قصة ضحى شاهين، وهي فتاة عاشت تجربة انفصال والديها ثم مرت بالتجربة نفسها لاحقاً، الأثر الممتد الذي يمكن أن تتركه تلك الصدمة في حياة الأطفال.
وتقول في حديث صحفي: "كنت في السابعة من عمري عندما رأيت والديّ للمرة الأخيرة تحت سقف واحد، لم أكن أدرك آنذاك معنى الطلاق، لكنني كنت أفهم أن البيت الذي اعتدت أن أنام فيه بأمان لم يعد كما كان".
وتضيف قائلة: "كبرت وأنا أحمل آثار تلك التجربة. كنت أتجنب الخلافات، وأخشى تكوين أسرة تنتهي بالمصير نفسه، لكنني مررت بالتجربة ذاتها، واليوم لدي ثلاثة أطفال يعيشون الجرح الذي عشته في طفولتي. لم أكن أعرف كيف أتجاوز انفصال والدي، ولم أدرك أن الحياة يجب أن تستمر".
وتؤكد أن آثار الانفصال لم تغادرها رغم مرور السنوات.