اخر الاخبار

تفاقمت الأزمة الخدمية والصحية في محافظة البصرة بشكل غير مسبوق، بعد أن أصبحت شبكات الإسالة تغذي منازل المواطنين بمياه ملوثة ملونة، شحيحة ومالحة، وسط تحذيرات رسمية وشعبية من انزلاق المحافظة نحو كارثة بيئية وإنسانية وشيكة.

ورصدت "طريق الشعب" في عدد من مناطق مركز المحافظة وقضاء الزبير، رداءة شديدة في المياه الواصلة إلى المواطنين، لا سيما في حي ياسين خريبط. ووفقا لعدد من الأهالي فإن المشكلة لم تعد مقتصرة على الملوحة المرتفعة في المياه، والتي تعانيها المحافظة منذ سنوات، بل تعدتها إلى تدفق مياه ذات لون أخضر داكن لا تصلح للاستخدام بشري.

وأعرب لفيف من أهالي منطقة ياسين خريبط وقضاء الزبير عن استيائهم الشديد من عدم صلاحية هذه المياه حتى لأغراض التنظيف أو الغسيل، مبدين مخاوفهم وشكوكهم في قيام بعض أصحاب محطات التحلية (R.O) باستخدام المياه الملوثة كمصدر رئيس لعمليات التحلية ثم إعادة بيعها للسكان، ما يضاعف المخاطر الصحية على الناس.

 

مظهر مُقزز!

يقول مواطن من سكان منطقة ياسين خريبط، أن "المياه التي تخرج من الأنابيب ذات لون أخضر ومظهر مقزز، لا يمكننا استخدامها مطلقاً"، مضيفا في حديث لـ"طريق الشعب"، انه "نضطر إلى شراء المياه المفلترة، لكننا نشك في أن محطات التحلية نفسها تعتمد على الماء الملوث في تشغيلها، ما يضعنا بين فكي النفقات الإضافية والمرض".

انهيار قناة البدعة

أدى انهيار حصل أخيرا في أحد مقاطع قناة البدعة – وهي الشريان الأساسي للمياه العذبة التي تغذي البصرة – إلى انقطاع تام للمياه عن مناطق واسعة من المحافظة، فضلا عن وصول مياه ملوّثة إلى مناطق عديدة.

ووفقا لما أفاد به المدير السابق للموارد المائية في البصرة جمعة شياع، فإن مشكلة الانهيار في القناة تتكرر بين فترة وأخرى، كونها تمر بأرض رملية، وتتعرض إلى تجاوزات من بدايتها في ذي قار وصولا إلى البصرة.

وأوضح في حديث صحفي أن الإيرادات المائية التي تأتي عبر هذه القناة، لا تسد حاجة المحافظة، مشيرا إلى أن مشكلة الانهيارات تتطلب تحويل القناة إلى أنابيب أو تبطينها.

وتابع قوله انه في عهد الوزير الأسبق مهدي رشيد، تمت المصادقة على مشروع لتحويل القناة إلى قناة أنبوبية بطول 240 كيلومترا وبواقع 3 أنابيب يبلغ قطر كل واحد منها مترين، مستدركا "لكن الوزير السابق عون ذياب جعل المشروع 60 كيلومترا فقط، بداعي عدم وجود تخصيصات مالية، مع انه كان يمكن أن يُنفذ على مراحل".

 

حالة الطوارئ

وعلى إثر هذه الكارثة الإنسانية، ارتفعت أصوات بعض نواب البصرة محذرة من العواقب الوخيمة التي قد تنتج عنها.

وفي هذا الصدد، وجهت النائبة زينب التميمي تحذيراً شديد اللهجة خلال كلمة لها تحت قبة مجلس النواب، ذكرت فيها أن "البصرة دخلت فعلياً حالة الطوارئ". فيما سلطت الضوء على أبعاد الكارثة، محذرة من ارتفاع مخيف في معدلات الإصابة بالأمراض، ومنها حالات سرطان وفشل كلوي وتسمم وأمراض جلدية.

وأكدت النائبة أن "أزمة المياه في البصرة ليست وليدة اللحظة، بل تفاقمت إلى المدى الذي يتطلب إيجاد حلول سريعة وفورية، من بينها إجراء عمليات صيانة خرسانية عاجلة لقناة البدعة، وتوفير التمويل الحكومي اللازم لاستكمال مشروع القناة الأنبوبية البديلة لضمان وصول مياه صالحة وآمنة للسكّان".

 

الأزمة على طاولة البرلمان

بحثت اللجنة المالية في البرلمان، الخميس الماضي، أزمة المياه في البصرة، خلال استضافتها وزير الموارد المائية والكادر المتقدم في الوزارة، إلى جانب مسؤولين في وزارة الاعمار والإسكان. فيما أكدت العمل على توفير التخصيصات المالية اللازمة لإكمال مشاريع المياه.

وحسب ما نقلته وكالات أنباء عن رئيس اللجنة عدي عواد، فإن "البصرة يفترض أن تغادر أزمة المياه منذ سنوات، لكن عدم وجود رؤية واضحة وتخصيصات مالية حال دون ذلك"، مبيناً أن الاستضافة شهدت مناقشة جميع الملفات المتعلقة بالأزمة.

وأضاف قوله أن "وزير الموارد المائية كان واضحاً بشأن معالجة الأزمة"، مؤكداً أن "اللجنة المالية تضع ضمن أولوياتها إيجاد التخصيصات المالية والأموال اللازمة لإكمال مشاريع المياه في وقت قياسي".

ولفت إلى ان "وزير الموارد المائية سيقدم خطة واضحة ومتكاملة إلى اللجنة خلال أسبوع".

من جانبه، قال وزير الموارد المائية مثنى التميمي، في تصريح صحفي، أن "هناك اهتماماً استثنائياً بالكثير من القضايا، خصوصاً في محافظة البصرة، التي تعد أكثر المحافظات معاناة جراء شح المياه وتلوثها بنسب عالية".

وأشار إلى انه "خلال الاستضافة تمت مناقشة المشاريع الموجودة في البصرة، فضلاً عن مشاريع أخرى، بهدف رصد الأموال اللازمة لها ضمن قانون الموازنة لعام 2027".

وتعاني البصرة منذ سنوات ارتفاع نسبة الملوحة في المياه، بالشكل الذي جعلها في بعض الأحيان غير صالحة حتى للاستخدامات المنزلية.

وأمام هذا الوضع المأساوي، يجدد أهالي البصرة مطالباتهم الحكومة الاتحادية والجهات المعنية بتشديد الرقابة على محطات التحلية الخاصة، ووضع حلول إستراتيجية لتأمين المياه العذبة للسكان، قبل أن تخرج الأوضاع عن السيطرة تماماً.

وباتت أزمة تلوث المياه، التي لا تقتصر على البصرة وحسب، إنما تشهدها محافظات عدة، تستنزف جيوب المواطنين. حيث يضطر المواطنون إلى شراء مياه الشرب، وأحيانا مياه الغسيل والاستخدامات المنزلية، على حسابهم الخاص، الأمر الذي يُثقل كواهلهم ويُضاعف من نفقاتهم.