تتواصل أزمة بطالة الشباب مع تزايد اعداد الخريجين ومحدودية فرص العمل، وسط تباين في تقديرات معدلات البطالة بين الجهات الرسمية والمؤسسات الدولية.
ويرى مختصون أن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحات اقتصادية حقيقية، تقوم على تنويع الاقتصاد ودعم القطاع الخاص والعمل الحر، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، بما يضمن توفير فرص عمل مستدامة للشباب.
مطلوب برنامج وطني يبدأ بإصلاح التعليم
يقول الناشط السياسي علي القيسي، ان أزمة بطالة الشباب في العراق لم تعد أرقاما تعلن في التقارير بل واقع تعيشه آلاف الأسر، مشيرا الى ان وجود اعداد كبيرة من الشباب، تتخرج من الجامعات والمعاهد سنويا، بينما تبقى فرص العمل شحيحة، سواء في القطاع الحكومي الذي لم يعد قادرا على استيعاب المزيد من الموظفين، أم في القطاع الخاص الذي لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالاستثمار وبيئة الأعمال.
ويضيف القيسي لـ"طريق الشعب"، ان "الاعتماد الطويل على الاقتصاد الريعي جعل أغلب الشباب ينتظرون التعيين الحكومي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات، لأنها قادرة على خلق فرص عمل أكثر استدامة". كما أن الكثير من الخريجين لا يجدون وظائف تتناسب مع اختصاصاتهم، ما يدفع بعضهم إلى العمل في مهن بعيدة عن مؤهلاتهم، أو التفكير بالهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل.
ويشير إلى، أن "المطلوب اليوم ليس إطلاق وعود جديدة، وإنما تنفيذ برنامج وطني حقيقي يبدأ بإصلاح التعليم وربطه باحتياجات سوق العمل، وتوسيع برامج التدريب، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم حوافز حقيقية للمستثمرين لتشغيل الشباب العراقي"، موضحا أن الشباب يمثلون النسبة الأكبر من المجتمع، وإذا لم تستثمر هذه الطاقات بالشكل الصحيح، فإن البطالة ستبقى من أكبر التحديات التي تواجه الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
بطالة الشباب أكثر من 35 بالمائة
وكان المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان حذر من استمرار التحديات التي تواجه الشباب العراقي، مؤكداً أن معدل بطالة الشباب بلغ نحو 35.8 في المائة، في وقت تشكل فيه هذه الفئة الكتلة السكانية الأكبر في البلاد، ما يجعل توفير فرص العمل واستثمار الطاقات البشرية أولوية اقتصادية واجتماعية، لتجنب تفاقم الضغوط على سوق العمل.
وقال المركز، إن المؤشرات السكانية تظهر أن العراق يُعد من أكثر المجتمعات فتوة، إذ تمثل فئة الشباب نحو 37 في المائة من إجمالي السكان، فيما تزيد نسبة من هم دون سن الخامسة والعشرين على 60 في المائة، الأمر الذي يضع سوق العمل أمام ضغوط متزايدة مع دخول أعداد كبيرة من الشباب سنوياً إلى دائرة الباحثين عن فرص عمل.
أرقام متبانية
في المقابل، كانت وزارة التخطيط قد كشفت لـ"طريق الشعب"، في وقت سابق، أن معدل البطالة العام انخفض إلى نحو 13 في المائة، مقارنة بالسنوات السابقة، استنادا إلى نتائج التعداد العام للسكان والمسوح الميدانية. إلا أن التقديرات الدولية جاءت مختلفة إذ أشارت بيانات صادرة عن Statista وTrading Economics، إلى أن معدل البطالة في العراق خلال عام 2025 بلغ نحو 15.5 في المائة، ما يعكس تبايناً بين المؤشرات الرسمية والدولية بشأن حجم البطالة في البلاد.
ضعف منظومة الضمان الاجتماعي
من جانب، اكد الخبير الاقتصادي عبد السلام حسن حسين، إن أزمة البطالة تشهد تصاعدا مستمرا، مشيراً إلى أن نسب البطالة ارتفعت خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يستدعي تبني معالجات اقتصادية حقيقية بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
وقال حسين لـ"طريق الشعب"، أن أحد أبرز أسباب تفاقم البطالة يتمثل في ضعف منظومة الضمان الاجتماعي وعدم توفير الحوافز الكافية للعاملين في القطاع الخاص، مبيناً أن مساهمات الضمان الحالية لا تشجع الشباب على الانخراط في هذا القطاع، في ظل محدودية الامتيازات مقارنة بما يوفره التوظيف الحكومي.
وأضاف أن توفير فرص عمل مستدامة يتطلب إعادة توجيه الإنفاق العام نحو دعم الإنتاج وتشغيل المصانع والمعامل، بدلا من استمرار الاعتماد على الاقتصاد الريعي، مؤكداً أن تفعيل القطاعات الصناعية والزراعية من شأنه استيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل.
وأشار إلى أن ملفات الفساد والهدر المالي تستنزف مبالغ كبيرة كان من الممكن استثمارها في تنفيذ مشاريع إنتاجية وتوفير فرص عمل للشباب، داعياً إلى تشديد الرقابة ومحاسبة المتورطين بالفساد، بما يسهم في توظيف الموارد المالية لخدمة التنمية الاقتصادية.
ولفت حسين إلى أن العراق يشهد سنويا تخرج آلاف الشباب من الجامعات والمعاهد في وقت لا تتوافر فيه فرص عمل تتناسب مع أعدادهم وتخصصاتهم، ما يدفع الكثير منهم إلى العمل في وظائف لا تنسجم مع مؤهلاتهم العلمية أو البحث عن فرص خارج البلاد.
وأكد أن معالجة البطالة تتطلب استراتيجية اقتصادية متكاملة تقوم على دعم القطاع الخاص وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وتقليل الاستيراد غير الضروري، وزيادة الإنتاج المحلي، إلى جانب توفير بيئة جاذبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.
وشدد على أن نجاح اي خطة لمعالجة البطالة مرهون بوجود رؤية اقتصادية واضحة وإدارة كفوءة للموارد، وتبني سياسات تنموية تعزز الإنتاج الوطني وتوفر بيئة مناسبة لاستيعاب الطاقات الشبابية، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
تعزيز بيئة الأعمال
وكرر الباحث الاقتصادي أحمد عيد ما ذهب اليه حسين من ان التحدي الأكبر يتمثل في غياب منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية الخاصة بالعاملين المستقلين إذ لا تتوافر لهم مظلة تأمين صحي او تقاعدي، ولا آليات تضمن تعويضهم عند تعطل أعمالهم أو تأخر مستحقاتهم المالية، الأمر الذي يجعل أي ظرف طارئ، سواء كان مرضاً أو خللا فنيا أو تأخر الدفع يتحول إلى أزمة مالية مباشرة.
وقال عيد لـ"طريق الشعب"، أن افتقار العاملين في مجال العمل الحر إلى مصدر دخل ثابت يضعف من استقرارهم المعيشي، ويحد من قدرتهم على التخطيط للمستقبل أو تكوين مدخرات، لافتاً إلى أن هذه التحديات تجعل العمل الحر، رغم أهميته، خياراً غير مستقر بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب.
واضاف أن تحويل العمل الحر إلى مسار مهني مستدام يتطلب حزمة من الإصلاحات، في مقدمتها تطوير البنية التحتية الرقمية، وتحسين جودة خدمات الإنترنت، وخفض كلف الاتصالات، إلى جانب توسيع أنظمة الدفع الإلكتروني وتوفير آليات تأمين اجتماعي اختيارية للعاملين المستقلين، بما يضمن لهم قدرا أكبر من الاستقرار الاقتصادي.
وتابع بالقول إن العمل الحر يمكن أن يسهم في الحد من البطالة وخلق فرص دخل جديدة للشباب، لكنه لن يكون بديلا حقيقيا عن السياسات الاقتصادية الشاملة ما لم ترافقه إصلاحات تعزز بيئة الأعمال وتدعم الاقتصاد الرقمي وتوفر الحماية اللازمة للعاملين فيه.