اخر الاخبار

لم تعد عمالة الأطفال في العراق تقتصر على الورش والمحال والأسواق، إنما امتدت إلى التقاطعات والشوارع المزدحمة. إذ باتت مشاهد الصغار، ذكورا أو اناثا، وهم يبيعون قناني المياه والمناديل والحلوى، ويمسحون زجاج السيارات، أو يمارسون أعمالا شاقة، جزءا من الحياة اليومية في المدن، في ظاهرة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها آلاف الأسر، والتي تضطرها إلى إخراج أبنائها من المدارس وزجهم في الشوارع لمطاردة لقمة العيش.

ويرى اختصاصيون أن أسباب عمالة الأطفال تتجاوز الفقر وحده، لتشمل فقدان المعيل، واتساع أعداد الأيتام، والطلاق والتفكك الأسري، والبطالة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، فضلا عن التسرب الدراسي، ما يدفع كثيرين منهم إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة، أحيانا بمحض إرادتهم، وأحيانا تحت ضغط الحاجة أو بإجبار من ذويهم.

ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، يصبح بيع قناني المياه أحد أكثر الأعمال التي تستقطب الأطفال، لسهولة ممارسته وعدم حاجته إلى رأس مال كبير، إلا ان الأمر يجعل الصغار يتجولون بين السيارات تحت أشعة الشمس اللاهبة، ساعات طويلة، ما يُعرّضهم إلى مخاطر صحية وأمنية، ويحرمهم من ممارسة طفولتهم الطبيعية.

ووفقا لاختصاصيين في الطب، فإن تعرّض الأطفال لأشعة الشمس خلال الصيف، يزيد احتمالات إصابتهم بضربات الشمس والجفاف والإجهاد الحراري، مبيّنين أن أجسام الأطفال أقل قدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة مقارنة بالبالغين، ما يجعل عملهم في الشوارع خطرا على صحتهم.

فيما يشير باحثون اجتماعيون إلى أن انتشار الأطفال في التقاطعات ليس مجرد نشاط اقتصادي بسيط، إنما هو مؤشر على وجود فجوة اجتماعية تتطلب معالجة شاملة، تبدأ بدعم الأسر الفقيرة وتوسيع مظلة الإعانات الاجتماعية، مرورا بإعادة الأطفال المتسربين إلى مدارسهم، وانتهاء بتطبيق القوانين التي تجرّم استغلال الأطفال في الأعمال التي تعرض حياتهم أو مستقبلهم للخطر.

لكن لا يبدو أن هناك أي تحرّك حكومي فعلي لوضع مثل هذه المعالجات – حسب مراقبين – مؤكدين أنه مع تفاقم الصعوبات المعيشية والاقتصادية، تزايدت أعداد الأطفال العاملين، ووصلت إلى درجة دفع البعض منهم لامتهان التسوّل. 

تحت الشمس اللاهبة.. تحت المطر الغزير!

كعادته، يقف الطفل محمود، البالغ من العمر 9 أعوام، يوميا في أحد تقاطعات بغداد، حاملاً في إحدى يديه قنينة مياه يلوّح بها أمام السيارات، فيما يضع على الرصيف عددا آخر من القناني الباردة المعدّة للبيع.

هذه الصورة تفرض تساؤلات عديدة، أبرزها ما الذي يدفع طفلا في هذا العمر إلى ممارسة عمل لا يتناسب مع سنّه؟ وما الذي يُرغمه على العمل في مختلف الظروف المناخية القاسية، سواء في الحر الشديد أم في البرد القارس وتحت المطر؟

يقول محمود في حديث صحفي: "فقد والدي أحد أطرافه في حادث إرهابي، ثم أصيب بمرض خطير توفي على اثره، ومنذ وفاته وحتى الآن أعمل في بيع المياه من أجل توفير لقمة العيش لي ولوالدتي وأختي الصغيرة، فضلا عن تأمين مصاريف دراستي".

ويوضح، وهو تلميذ في الصف الثالث الابتدائي، أن بيع المياه يناسب ظروفه، لأنه يختار الأوقات التي لا تتعارض مع دوامه المدرسي.

ويسعى محمود جاهدا إلى التوفيق بين الدراسة والعمل، متحملا المشاق والسلوكيات المختلفة التي يواجهها من بعض ضعاف النفوس. فيما يغدق عليه آخرون المال دون أن يأخذوا منه الماء.

ولا يسلم هذا الطفل في مدرسته من التنمر والنظرة الدونية التي يوجهها إليه بعض التلاميذ.

ويقول: "بعض أصحاب السيارات والمارة يتعاطفون معي ويمنحونني المال، فيما تصدر من آخرين عبارات غير لائقة"، مؤكدا أن الأمر ذاته يواجهه داخل المدرسة. حيث يحتقره بعض التلاميذ بسبب عمله ولا يسمحون له بالجلوس أو الدراسة معهم".

ويضيف قائلا أن ذلك يؤلمه كثيرا، وقد اشتكى مرارا لإدارة المدرسة من الكلمات الجارحة التي يتعرض لها من بعض زملائه. 

العمل بديل عن الدراسة

أصبحت مهنة بيع المياه المعدنية من الأعمال المنتشرة في شوارع بغداد والمحافظات. إذ يمارسها البعض بسبب الحاجة المادية، فيما يدفع سهولة الحصول على المال أطفالا إلى العمل في هذا المجال، مستفيدين من تعاطف المواطنين مع صغر سنهم.

تقول الطفلة سناء، البالغة من العمر 10 سنوات: "والدتي مطلقة وتتقاضى نفقة مالية من والدي، لكنها تشجعني على بيع المياه في الشوارع من أجل الحصول على المزيد من المال". ولم تُسجَّل سناء في المدرسة، لذلك لا تجيد القراءة أو الكتابة، وكل ما تعرفه هو التجول في الشوارع لبيع المياه وتناول السندوتشات من أحد المطاعم القريبة عندما تشعر بالجوع. وتذرع الطفلة الشوارع ذهاباً وإياباً بملابس رثة، وهي تمد قنينة الماء لكل من يمر بها من المشاة أو أصحاب السيارات.

تذكر سناء في حديث صحفي، انها تحقق مردودا ماليا يتراوح بين 10 و15 ألف دينار يوميا، مبيّنة أن والدتها تلزمها بتسليمها 10 آلاف دينار كل يوم، ولا تقبل بأقل من ذلك!

مجبرون وغير مجبرين

على شاكلة سناء، يوجد العديد من الأطفال الذين يجبرهم ذووهم على ممارسة أعمال مختلفة من أجل جلب المال. بينما يُفضّل آخرون العمل خلال العطل الرسمية للحصول على مصروف شخصي.

ويؤكد الطفل علي محسن (11 عاما)، انه "لم يجبرني أحد على بيع المياه في الشارع، إنما على العكس، كان والدي يوبخني دائماً بسبب ذلك"، لافتا في حديث صحفي إلى أنه يرغب في العمل من أجل الاعتماد على نفسه وشراء ما يريد.

ويوضح: "العمل في بيع المياه سهل نسبيا وغير مرهق. كما أن مردوده المالي جيد ويلبي احتياجاتي".

تضارب الآراء حول عمالة الأطفال

يُبدي مواطنون آراء مختلفة بشأن ظاهرة بيع الأطفال المياه في الشوارع والتقاطعات. إذ يرى البعض أنها تحمل جوانب إيجابية، بينما يعتقد آخرون أنها لا تتناسب مع أعمارهم.

يقول المواطن عباس الخفاجي: "يجب التفريق بين الأطفال الذين يعملون لمساعدة عائلاتهم الفقيرة ويوفرون لقمة العيش لأنفسهم وأسرهم، وبين حالات أخرى تختلف ظروفها".

ويبيّن في حديث صحفي أن "الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد خلال فترات مختلفة أفرزت أوضاعاً اجتماعية معقدة، فهناك أعداد كبيرة من الأيتام والأرامل والمطلقات، فضلاً عن شرائح واسعة تعاني الفقر المدقع".

ويتابع القول أن "بعض العائلات تدفع أبناءها الصغار إلى العمل بسبب الفقر. لذلك من الضروري دعم هؤلاء الأطفال والشراء منهم حتى وإن لم نكن بحاجة إلى ما يبيعون".

ويلفت الخفاجي إلى ان "هناك أطفالاً تركوا الدراسة واتجهوا إلى بيع المياه طمعاً في المال دون حاجة حقيقية، وهؤلاء يجب أن يحظوا بمتابعة من ذويهم والجهات المعنية لإعادتهم إلى مقاعد الدراسة وضمان مستقبلهم". 

ظاهرة خطيرة

إلى ذلك، ترى الباحثة الاجتماعية مناهل صالح أن "عمل الأطفال في سن مبكرة، مهما كان نوع العمل، يمثل ظاهرة خطيرة ومتفاقمة، خاصة مع انتشارها الواسع".

وتضيف في حديث صحفي أن "لهذه الظاهرة أسباباً متعددة، أبرزها الفقر والخلافات الأسرية وترك الدراسة، فضلاً عن التحديات الاقتصادية وتزايد أعداد الأيتام والأسر التي تعيلها نساء، إلى جانب البطالة التي تجعل الكثيرين من أرباب الأسر عاجزين عن توفير متطلبات الحياة".

وتشير الباحثة إلى ان بيع المياه يعد من أسهل الأعمال وأكثرها انتشاراً بين الأطفال، داعية الحكومة والجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات فاعلة وحلول مناسبة لحماية الأطفال من الظروف المعيشية القاسية وضمان حقهم في الحياة والتعليم.

وكانت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قد نفذت في وقت سابق ما وصفته بـ"خطة استراتيجية شاملة للحد من عمالة الأطفال"، تضمنت حملات تفتيش ميدانية في الأسواق، وفرض عقوبات قانونية على أرباب العمل المخالفين، فضلاً عن التنسيق الأمني لمنع استغلال الأطفال في التسول أو بيع المياه، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية لدعم الأسر الفقيرة، إلا أن ذلك لم يغير من المعادلة. فلا تزال أعداد كبيرة من الأطفال تعمل في الشوارع وداخل الورش والأسواق.