بدأ الفلاحون بتسويق محصول الحنطة إلى السايلوات ومخازن وزارة التجارة منذ مطلع شهر أيار/مايو 2026، إلا أنه، وبعد مضي أكثر من شهرين، لم يتسلم أي فلاح أو مزارع مستحقاته المالية، رغم إعلان الحكومة العراقية مسبقًا أن أثمان المحاصيل ستُدفع فور تسليمها. ويأتي هذا التأخير في وقت لا يزال فيه عدد كبير من الفلاحين ينتظرون تسديد مستحقات مواسم سابقة، الأمر الذي يفاقم معاناتهم ويزيد من الأعباء الملقاة على عاتقهم.
ولم تقتصر معاناة الفلاحين على تأخير صرف مستحقاتهم، بل سبقتها مشكلات كبيرة رافقت عملية التسويق، تمثلت في وقوف الشاحنات المحملة بالحنطة لساعات، وأحيانًا لأيام، أمام أبواب السايلوات بسبب ضعف الاستعداد لاستقبال المحصول، فضلاً عن حالات الفساد التي تحدث عنها العديد من المسوقين. وقد ترتب على ذلك تكاليف إضافية أثقلت كاهل الفلاحين، وأثرت بشكل مباشر في مستوى معيشتهم ومعيشة أسرهم.
كما أدى استمرار تأخير صرف المستحقات إلى تراكم الديون على الفلاحين للتجار والمقرضين، الأمر الذي يهدد قدرتهم على تمويل الموسم الزراعي المقبل، ويضعف فرص استمرارهم في استثمار أراضيهم. ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على الفلاح وحده، بل تمتد إلى الأمن الغذائي للعراق بأكمله، لأن أي تراجع في الإنتاج المحلي يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد واستنزاف المزيد من العملة الصعبة.
وعلى الرغم من الاعتصامات والتظاهرات والمؤتمرات التي نظمها الفلاحون، والتي حضرها مسؤولون في القطاع الزراعي وعدد من رؤساء الكتل السياسية، فإن الحكومات المتعاقبة، سواء السابقة أم الحالية، لم تلتزم بوعودها في تسديد المستحقات ضمن المدد المعلنة.
وهنا تبرز تساؤلات مشروعة: هل أصبح الفلاح مواطنًا من الدرجة الثانية؟ وهل بات القطاع الزراعي خارج أولويات الدولة، رغم أهميته في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي؟ أم أن هناك سياسات أو مصالح تدفع باتجاه إضعاف الزراعة المحلية، بما يخدم استمرار الاستيراد على حساب المنتج الوطني؟
إن الفلاح ليس موظفًا حكوميًا يتقاضى راتبًا شهريًا ثابتًا، بل يقضي أكثر من ستة أشهر في العمل المتواصل، هو وأفراد أسرته، ليحقق إنتاجًا يسهم في تأمين الغذاء للمواطنين. وخلال هذه المدة يتحمل تكاليف البذور والأسمدة والوقود والري وأجور العمال والنقل، ثم يجد نفسه، بعد تسليم محصوله، عاجزًا عن سداد ديونه أو توفير احتياجات أسرته الأساسية، من الغذاء والعلاج والتعليم.
واليوم، وبعد مرور أكثر من شهرين على بدء التسويق، وفي ظل انطلاق الاستعدادات للموسم الزراعي الجديد منذ أكثر من شهر ونصف، أصبحت الحكومة ملزمة بالإيفاء بالتزاماتها وصرف مستحقات الفلاحين دون أي تأخير إضافي. فاستمرار هذا الوضع لن يؤدي إلا إلى إضعاف الإنتاج الزراعي، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وتهديد الأمن الغذائي للعراق.
إن دعم الفلاح لا يكون بالشعارات والوعود، وإنما بالوفاء بالالتزامات، وفي مقدمتها دفع مستحقاته في الوقت المحدد، لأنه يمثل الركيزة الأساسية للإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية في البلاد.
ـــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري