بين رسوم الصحة والتعليم وجبايات الكهرباء والماء وخدمات التنظيف، فضلا عن مدفوعات المرور وتسجيل المركبات وصولاً إلى الخدمات الجامعية، تتزايد شكاوى المواطنين من اتساع دائرة الضرائب والرسوم الحكومية، في وقت يجدون فيه أن مستوى الخدمات العامة لا يوازي ما يدفعونه، ما يثير تساؤلات متجددة بشأن عدالة النظام الضريبي في البلاد.
ويرى مواطنون أن الرسوم المفروضة على مختلف الخدمات تحولت إلى عبء إضافي على دخل الأسر، خصوصاً مع استمرار تراجع الخدمات الأساسية في قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية، وسط مطالبات بإعادة النظر في السياسات المالية بما يحقق التوازن بين الإيرادات الحكومية وحقوق المواطنين.
ويشير مراقبون إلى أن الضغوط المالية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، دفعت الحكومة إلى البحث عن مصادر سريعة لتعظيم الإيرادات غير النفطية، عبر التوسع في فرض الرسوم والجبايات، بدلاً من التركيز على إصلاحات اقتصادية وهيكلية تخلق موارد مستدامة، مثل تنشيط الصناعة والزراعة والاستثمار، ومكافحة الفساد والهدر المالي، الأمر الذي جعل المواطن يتحمل جانبا كبيرا من كلفة معالجة العجز المالي.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه الشريحة الأوسع من أبناء الشعب، ضغوطا اقتصادية ومعيشية قاسية، بسبب البطالة والغلاء وانخفاض مستوى دخل الفرد.
رسوم بلا خدمات
في حديث صحفي، يقول المواطن عباس كاظم أن ما يدفعه المواطنون من ضرائب ورسوم يجب أن يقابله مستوى مناسب من الخدمات.
ويبيّن أن "العائلات تضطر إلى اللجوء للمستشفيات الأهلية عند المرض بسبب ضعف الخدمات الصحية الحكومية، فيما تتكرر المشكلة في قطاعات أخرى، أبرزها الكهرباء. حيث تصل أجور الجباية المترتبة على بعض المنازل إلى نحو 200 ألف دينار شهرياً، رغم أن ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية لا تتجاوز أربع أو خمس ساعات يومياً".
فيما تشير المواطنة أزهار الساعدي، إلى أن "كل شيء أصبح يخضع للرسوم المرتفعة، من الغذاء والدواء إلى أبسط المعاملات الحكومية".
وتلفت في حديث صحفي إلى أن "إنجاز أي معاملة يتطلب غالباً توفر مبالغ مالية في البطاقة المصرفية قد تصل إلى 100 ألف دينار لتسديد الرسوم المختلفة"، مشيرة إلى أن "راتب الموظف يخرج من حسابه ليعود إلى الدولة في اليوم نفسه بسبب كثرة الاستقطاعات والرسوم"!
رسوم مرورية مرهقة
في قطاع النقل، يشكو الكثيرون من أصحاب المركبات من ارتفاع رسوم التسجيل وإصدار الإجازات.
وعن ذلك، يقول المواطن عقيل مسلم أن "تسجيل المركبات الصغيرة في دوائر المرور، يكلف نحو 30 ألف دينار، بينما ترتفع الرسوم إلى 300 ألف دينار للمركبات الكبيرة، إضافة إلى استيفاء رسوم الطرق والجسور، رغم استمرار تدهور البنية التحتية وامتلاء الشوارع بالحفر والمطبات".
وينوّه في حديث صحفي إلى أن "هناك حملات تطوعية شعبية تنطلق بين حين وآخر لتصليح الطرق المتضررة التي تشهد حوادث مميتة، في مؤشر على اتساع الفجوة بين الرسوم المدفوعة ومستوى الخدمات المقدمة".
أعباء مالية إضافية في قطاع التعليم
وفي قطاع التعليم، تؤكد الطالبة الجامعية ريهام العبودي أن الرسوم الدراسية والبدلات المالية في الجامعات الحكومية باتت تشكل عبئاً على الطلبة وأسرهم، لا سيما الشرائح الفقيرة وذات الدخل المحدود.
وتوضح في حديث صحفي أن "الجامعات تستوفي رسوماً تحت مسميات مختلفة، فضلاً عن إلزام الطلبة باستخدام تطبيقات إلكترونية مدفوعة للحصول على نتائج الامتحانات، ما يزيد الأعباء المالية دون تحسين ملموس في الخدمات التعليمية".
وتشير ريهام إلى أن "كثيرين من الطلبة باتوا يبحثون عن وساطات للحصول على نتائجهم الامتحانية عبر معارف داخل الجامعات، بدلاً من الاشتراك في التطبيقات الالكترونية المدفوعة".
استنزاف دخل الأسرة
من جانبه، يقول المواطن زياد النعيمي أن "الأعباء المالية المفروضة على المواطنين تزداد عاما بعد آخر، في وقت لا يلمس فيه كثيرون تحسنا حقيقيا في مستوى الخدمات الأساسية"، مبيّنا في حديث صحفي أن الرسوم والجبايات أصبحت تستنزف دخل الأسر بشكل كبير.
ويضيف قوله: "ندفع جباية إلى أكثر من دائرة، لكننا عندما ننظر إلى الواقع نجد شوارع متهالكة وكهرباء رديئة وماء غير صالح للشرب ومجاري طافحة وخدمات لا تتناسب مع ما يدفعه المواطن".
ويستدرك النعيمي قائلا أن "من حق الدولة استيفاء الرسوم والضرائب، لكن من واجبها أيضا أن تقدم خدمات توازي تلك الأموال التي تحصّلها"، مشيرا إلى أن "الأوضاع الاقتصادية الصعبة جعلت عائلات كثيرة غير قادرة على تحمل المزيد من الأعباء. لذلك ينبغي إعادة النظر في الرسوم التي تثقل كاهل المواطنين، خصوصا أصحاب الدخل المحدود والفئات الهشة، مع تحسين مستوى الخدمات بصورة ملموسة، لأن المواطن يريد أن يرى انعكاس ما يدفعه على واقعه اليومي".
هل يحمي البرلمان الطبقات الهشة؟!
في السياق، يقول عضو لجنة الخدمات البرلمانية محمد الحسناوي، أن مجلس النواب وضع ملف النظام الضريبي ضمن أولويات الدورة التشريعية الجديدة، مؤكداً في حديث صحفي "وجود توجه لتشريع قانون جديد يحقق العدالة الضريبية ويحمي الطبقات الفقيرة والمتوسطة".
ويضيف قوله، أن "النظام الحالي بات يحمّل المواطنين كلفة العجز المالي الذي تعانيه الدولة"، مشيراً إلى أن عدداً من النواب قدموا ملاحظات تدعو إلى إصلاح شامل للسياسة الضريبية، بما يحد من تضخم رؤوس الأموال ويضمن توزيعاً أكثر عدالة للأعباء المالية".
وتشمل الرسوم الحالية استقطاعات شهرية من رواتب الموظفين، من بينها استقطاع يبلغ 25 ألف دينار ضمن القطاع الصحي، فضلاً عن رسوم أخرى تتعلق بالخدمات الحكومية المختلفة.
ماذا عن حقوق المواطنين الدستورية؟!
ينص الدستور العراقي في مواده 30 و31 و34 على كفالة الدولة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم، باعتبارها حقوقاً أساسية للمواطنين، وهو ما يدفع كثيرين إلى المطالبة بمواءمة الرسوم الحكومية مع مستوى الخدمات المقدمة.
فيما تنص المادة 28/ ثانياً من الدستور على: "يُعفى أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب، بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى اللازم للمعيشة، وينظم ذلك بقانون".
ويُعد هذا النص ضمانة دستورية واجتماعية لحماية الفئات الفقيرة وذات الدخل المحدود من الأعباء الضريبية. حيث يضع سقفاً يمنع الدولة من استقطاع ضرائب تؤثر على قدرتهم في توفير متطلبات المعيشة الأساسية، على أن تتُرك تفاصيل ونسب الإعفاء والحدود الدنيا للدخل لتُحدد لاحقا بموجب قوانين مالية.
وبالرغم من ذلك، لا تزال الشرائح الفقيرة وذات الدخل المحدود، أكثر من يتعرّض لضغوط الرسوم والضرائب – وفقا لمراقبين، مشيرين إلى أن هناك عائلات بالكاد توفر قوتها، باتت اليوم تدفع معظم دخلها، مهما كان بسيطا، إلى الدولة كضرائب ورسوم، فضلا عمّا تدفعه لتوفير خدمات من جهات أهلية، هي في الأساس من مسؤوليات الدولة، ومن ذلك أجور المولدات ورسوم التنظيفات التي تفرضها شركات خاصة، وغير ذلك.
ويلفت المراقبون في أحاديث صحفية، إلى أن هناك عائلات شديدة الفقر، لا تتمكن من سداد مبالغ الجباية، الأمر الذي يوقعها في دوامة الديون، وبالتالي تواجه إجراءات قانونية من دوائر الدولة.
أنظمة ضريبية بمنهاج تقليدي!
إلى ذلك، يقول عضو اللجنة العليا للإصلاح الضريبي خالد الجابري، أن الضرائب والرسوم الكمركية ليست مجرد أدوات لزيادة الإيرادات، بل تمثل ركنا أساسيا في إدارة الاقتصاد وتحفيز الاستثمار وحماية الإنتاج الوطني.
ويضيف في حديث صحفي قائلا أن "الدول المتقدمة تستخدم الأنظمة الضريبية كوسيلة لدعم النمو الاقتصادي، بينما لا زالت تلك الأنظمة تُدار في العراق بمنهج تقليدي جعلها تبدو عبئاً على المواطنين والقطاع الخاص".
ويشير إلى أن "تحديث النظامين الضريبي والكمركي، والانتقال إلى الإدارة الرقمية والرقابة الحديثة، يمثل ضرورة لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي"، مؤكدا أن "الاقتصاد الناجح لا يقوم على زيادة الضرائب، إنما على إدارة ذكية تحقق النمو قبل الإيرادات".