اخر الاخبار

يشكو سائقو مركبات في بغداد والمحافظات من صعوبة الحصول على مكان نظامي لإيقاف مركباتهم في الأماكن العامة، خصوصاً قرب الأسواق والمراكز الطبية والدوائر الرسمية. إذ لا تتوافر مساحات كافية للوقوف، فيما تمتلئ الكراجات النظامية، وهي قليلة في الغالب، سريعا، أو تفرض رسوم يراها كثيرون مرتفعة قياساً بمدة التوقف القصيرة.

أما من يضطر إلى إيقاف مركبته في الشارع، وإن لدقائق معدودة، سيتعرّض إلى مخالفة مرورية، ويُلزم بدفع غرامة ليست قليلة.

وإضافة إلى قلة ساحات الوقوف وسرعة فرض الغرامات، يشكو السائقون من تفشي ظاهرة الكراجات والمواقف غير النظامية. إذ يضطرون إلى دفع رسوم لأشخاص لا يحملون أي صفة رسمية، مقابل الوقوف قرب أرصفة أو ساحات عامة، في ظل أزمة الكراجات النظامية.

وتعد ظاهرة توقف السيارات خارج الأماكن المخصصة للوقوف من أبرز المشكلات التي تساهم في الاختناقات المرورية، لا سيما في ظل ازدياد أعداد المركبات بشكل كبير. ويؤكد مواطنون أن شح الكراجات وتباعد مواقعها وارتفاع أجور الوقوف التي تصل أحياناً إلى خمسة آلاف دينار، تدفع الكثيرين إلى المجازفة بإيقاف سياراتهم عند الأرصفة أو في الأماكن العامة.

غرامة في عشر دقائق

عادت أسماء رحيم إلى سيارتها التي كانت قد أوقفتها في مكان تصطف فيه مركبات أخرى، لتفاجأ بوصل غرامة مرورية موضوع على الزجاج الأمامي للسيارة.

تقول في حديث صحفي، انها بحثت عن رجل المرور للاستفسار عن المخالفة، لكنها لم تجد له أثراً، فلم يكن أمامها سوى مراجعة دائرة المرور وتسديد الغرامة خشية مضاعفة المبلغ، مؤكدة انها لم تغب عن السيارة أكثر من عشر دقائق، لكن الوقت كان كافيا لتسجيل المخالفة.

وتعترف أسماء بخطأ رصف المركبة في مكان غير مخصص للوقوف، إلا ان عدم وجود مرآب قريب دفعها إلى ذلك.

أما ماهر سالم، فيقول انه تعرض أخيراً إلى غرامة مرورية بعد أن ركن سيارته بضع دقائق قرب محل للمواد الغذائية، مبيناً في حديث صحفي أنه لا يرفض الالتزام بالقانون، لكنه يضطر إلى المخالفة بسبب عدم وجود بدائل "فالبحث عن مكان نظامي لوقوف المركبات قد يستغرق وقتاً طويلا جداً".

ويضيف قوله أن "العديد من السائقين يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاختيار بين إيقاف سياراتهم في أماكن بعيدة قد تعيق أعمالهم أو مراجعاتهم، وبين المجازفة في التوقف المؤقت في أماكن غير مخصصة، ما يعرّضهم للغرامات". 

لا مكان شاغرا في الكراجات

في السياق، تقول نوال صبار، من بغداد، أن الكراجات غالباً ما تكون مكتظة، لا سيما خلال ساعات المساء، ما يجعل العثور على مكان شاغر فيها أمراً بالغ الصعوبة.

وتضيف في حديث صحفي قولها، انها تضطر أحياناً إلى ترك سيارتها في أماكن غير مخصصة للوقوف لإنجاز أعمال سريعة، لكن ذلك لا يخلو من المخاطر، سواء بتسجيل مخالفة مرورية أم بتعرض السيارة للاحتكاك بسبب الازدحام.

وتوضح أن "عدد الكراجات المتوفرة في مناطق مركز العاصمة، لا يتناسب أبدا مع الأعداد الكبيرة للمركبات، والتي تتجاوز 4 ملايين مركبة على أقل تقدير". 

مرائب عشوائية

من جانبه، يشير المواطن محمد علي إلى انتشار ظاهرة استيفاء مبالغ مالية من أصحاب السيارات مقابل الوقوف قرب أرصفة أو في ساحات عامة.

ويقول في حديث صحفي أنه "ركنت سيارتي خمس دقائق أمام صيدلية لشراء دواء، وعندما عدت طالبني شخص بدفع ألفي دينار مقابل الوقوف"، مؤكداً أنه حاول إقناعه بأن الموقع عام ولا يحق له استيفاء أي رسوم، لكن دون جدوى.

وتنتشر في بغداد مرائب عشوائية تتقاضى رسوماً من المواطنين من دون تقديم خدمات حقيقية أو امتلاك موافقات رسمية. فيما يحتجز بعض أصحاب المحال التجارية والمطاعم والمقاهي، أجزاء من الشوارع المقابلة لهم، ويحولونها إلى مواقف لزبائنهم، في مخالفة صريحة.

وكانت قيادة عمليات بغداد قد أعلنت في وقت سابق إغلاق 14 كراجا مخالفا للشروط والضوابط في عدد من مناطق الرصافة. وبيّنت أن هذه الإجراءات تأتي لحماية المواطنين ومنع استغلالهم من قبل جهات غير مخولة تستوفي الأموال بطرق غير قانونية.

إلا أن مواطنين يرون أن هذه الخطوات تبقى محدودة التأثير ما لم تترافق مع حلول مدروسة تتضمن إنشاء كراجات واسعة تستوعب الأعداد المتزايدة من المركبات، فضلاً عن فرض تسعيرة موحدة وملزمة لجميع الكراجات.

غياب التخطيط الحضري

الناشط الحقوقي حسن الجميلي، يرى في حديث صحفي أن جزءاً كبيراً من المشكلة يرتبط بغياب التخطيط الحضري والخدمي القادر على مواكبة التوسع الكبير في أعداد السيارات داخل بغداد والمدن الأخرى.

ويوضح أن "المواطنين ينبغي ألا يتحملون وحدهم نتائج القصور في توفير الخدمات الأساسية، وأن كثيراً من السائقين أصبحوا ضحايا لواقع خدمي متعثر أكثر من كونهم يتعمدون مخالفة القوانين"، مضيفا قوله أن "تطبيق القانون ضرورة لا يمكن الاعتراض عليها، لكن يجب أن يترافق مع توفير البدائل المناسبة، من خلال إنشاء مواقف كافية للسيارات قرب المناطق التجارية والطبية والخدمية، فضلاً عن تشديد الرقابة على ساحات الوقوف العشوائية التي تستغل حاجة المواطنين وتفرض رسوماً من دون ضوابط واضحة".

عامل كراج: نحن ملتزمون بالتسعيرة

بدوره، يقول مصطفى كريم، وهو عامل في أحد كراجات وقوف المركبات في بغداد: "إننا نلتزم بالتسعيرة التي يحددها مالك الكراج، ونقوم بتسليم صاحب المركبة وصلاً نظاميا عند دخوله ونستعيده منه عند المغادرة".

ويشير في حديث صحفي إلى أن "الكراجات تستخدم أنظمة مراقبة بالكاميرات، بينما تختلف فيها الأجور بحسب مدة الوقوف"، مبيناً أن "كراجية الوقوف تبلغ ثلاثة آلاف دينار، وتصل إلى خمسة آلاف دينار عند المبيت".

تسجيل المخالفات واجب قانوني

في المقابل، يؤكد ضباط في مديرية المرور العامة، أن تسجيل المخالفات يأتي ضمن واجباتهم القانونية للحفاظ على انسيابية الحركة المرورية ومنع الازدحامات.

ويقول المقدم في مديرية مرور بغداد قصي العزاوي، أن "الوقوف العشوائي أحد أبرز أسباب الازدحامات، خصوصاً في الشوارع التجارية والرئيسة، وأن التهاون في تطبيق الغرامات سيؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر".

ويؤكد في حديث صحفي أن "رجال المرور لا يمكنهم التغاضي عن المخالفات بحجة نقص ساحات الوقوف، لأن ذلك سيشجع المزيد من السائقين على إيقاف سياراتهم بصورة تعيق حركة السير"، مبيّنا أن "مسؤولية الالتزام بالقانون تقع على عاتق أصحاب المركبات أيضاً".

ويشير العزاوي إلى أن "الغرامات ساهمت في الحد من بعض المظاهر السلبية المتعلقة بالوقوف العشوائي، وأن المشكلة لا يمكن حصرها بإجراءات المرور وحدها، بل تحتاج إلى تعاون بين الجهات الخدمية والتخطيطية والأمنية لمعالجة أسبابها الأساسية".

كراجات غير مشمولة بالضوابط

إلى ذلك، يقول المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل، أن "التسعيرة الرسمية المحددة من قبل الأمانة تبلغ ثلاثة آلاف دينار فقط للوقوف مرة واحدة في الكراجات الحكومية والأهلية، وأن أي مبلغ يتجاوز ذلك يعد مخالفة للتعليمات". فيما يذكر أن دائرته لا تملك صلاحية فرض تسعيرة على بعض الكراجات.

ويلفت في حديث صحفي إلى ان "أمانة بغداد تعمل على تنفيذ خطة لتوسعة وإنشاء كراجات جديدة في جانبي الكرخ والرصافة، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية الأراضي التابعة للأمانة والمخصصة لهذا الغرض".

ويلفت إلى أن "الأمانة تقدم تسهيلات لأصحاب الأراضي الراغبين في تحويلها إلى كراجات وفق الضوابط القانونية، بهدف تخفيف الضغط المتزايد على الشوارع، لا سيما في مناطق الأسواق والمراكز الطبية والدوائر الحكومية".

لكنه ينوّه إلى أن "أمانة بغداد لا تملك صلاحية فرض التسعيرة على بعض الكراجات الاستثمارية أو المؤجرة، الأمر الذي يفسر تفاوت الأسعار بين كراج وآخر".

وفي مطلع العام الجاري، أعلنت قيادة عمليات بغداد تحديد تسعيرة رسمية للكراجات ومكاتب عقود بيع وشراء السيارات، ضمن إجراءات تهدف إلى الحد من الاستغلال المالي وتنظيم الخدمات.

ووفقاً للقيادة، فإن التسعيرة حُددت بـ 3 آلاف دينار فقط لوقوف العجلات في الكراجات، و50 ألف دينار للعقد المروري على أن تُقسم مناصفة بين البائع والمشتري.