اخر الاخبار

تتصاعد في بغداد والمحافظات شكاوى آلاف سائقي سيارات الأجرة التقليدية، من التأثير المتزايد لتطبيقات النقل الذكي، التي تضاعف استخدامها في البلاد خلال العامَين الأخيرَين، مثل تطبيقي "بلي" و"كريم" وغيرهما، وسط مطالبات بإيجاد معالجات توازن بين التطور التكنولوجي وحماية مصادر عيش العاملين في قطاع النقل، في وقت تؤكد فيه آراء قانونية عدم وجود ما يمنع تلك التطبيقات من العمل.

ويعتمد النقل الذكي على نموذج يربط بين الزبون والسائق عبر تطبيق إلكتروني. إذ يسجل السائقون الراغبون في العمل ضمن هذا النموذج، بياناتهم ومستنداتهم الرسمية ومواصفات مركباتهم لدى شركات نقل، وبعد قبول انضمامهم يمكنهم استقبال طلبات النقل عبر هواتفهم الذكية مقابل عمولة أو نسبة تقتطعها الشركة من أجور الرحلات. ولا تمتلك هذه الشركات، في العادة، السيارات التي تعمل ضمن منصاتها، إنما تعتمد على سائقين مستقلين ينضمون إليها وفق شروط ومعايير محددة تختلف من شركة إلى أخرى، وتشمل غالبا الجوانب المتعلقة بسلامة المركبة وسنة صنعها وحالة السائق القانونية.

ويعود التوسّع الكبير في استخدام تطبيقات النقل الالكترونية، إلى إمكانية تحصيل سيارة أجرة خلال دقائق معدودة، مع معرفة أجرة الرحلة مسبقا وإمكانية تتبع مسارها إلكترونيا، وهو ما دفع أعدادا متزايدة من المواطنين إلى الاعتماد عليها كوسيلةً أكثر سهولة وتنظيما مقارنة بوسائل النقل التقليدية. لكن هذا التحول ألقى بظلاله على شريحة واسعة من سائقي الأجرة الذين يعتمدون عامّة على هذا العمل لتأمين احتياجات عائلاتهم اليومية.

تراجع الدخل

في حديث صحفي، يقول أبو خالد (54 عاماً)، وهو سائق سيارة أجرة في بغداد، ان "دخله تراجع كثيرا خلال السنوات الأخيرة بسبب انتشار تطبيقات النقل"، مبيّنا أن "عدد الزبائن الذين يستقلون سيارات الأجرة التقليدية انخفض بصورة ملحوظة".

ويضيف قوله أن "السائق كان في السابق يستطيع الحصول على عدد جيد من الرحلات خلال ساعات العمل اليومية، إلا أن الوضع تغيّر حاليا مع اتجاه نسبة كبيرة من المواطنين إلى استخدام التطبيقات الإلكترونية، ما أدى إلى تراجع دخلنا إلى ما يقارب النصف مقارنة بما كنا نجنيه سابقا"، مشيرا إلى أن "الكثيرين من سائقي الأجرة باتوا يقضون ساعات طويلة في التجوال في الشوارع بحثا عن زبائن، في حين تصل سيارات التطبيقات مباشرة إلى الزبون بمجرد تقديم الطلب عبر الهاتف المحول".

ويُطالب أبو خالد الجهات المسؤولة بوضع آليات تنظيمية تُراعي مصالح جميع العاملين في هذا القطاع.

وتعكس هذه الشكاوى حالة من القلق المتنامي بين العاملين في القطاع. إذ شهدت محافظات عدة، من بينها بغداد وكركوك، خلال الشهور الماضية احتجاجات وتجمعات لسائقي سيارات الأجرة،  للمطالبة بالتدخل الحكومي وإيجاد حلول لما يرونه منافسة غير متكافئة أثرت على مصادر دخلهم.

في السياق، يشكو سائق الأجرة البصري مصطفى جبر، الذي يعمل في المهنة منذ أكثر من عشرين عاما، من تراجع دخله اليومي بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة مع توسع استخدام تطبيقات النقل الذكية بين المواطنين، مشيرا في حديث صحفي إلى أن "كثيرين من الزبائن باتوا يفضلون الحجز عبر الهاتف لما توفره هذه الخدمة من سهولة ومعرفة مسبقة بالأجرة".

ويلفت إلى انهم لا يُطالبون بإلغاء هذه الشركات "فهي واقع موجود وتقدم خدمة يحتاجها الناس، لكننا نريد حلولا تراعي أوضاع آلاف السائقين الذين يعتمدون على سيارات متواضعة لا تستوفي بعض الشروط المطلوبة لدى الشركات".

ويتابع قائلا: "بالإمكان إيجاد تطبيقات أو آليات تسمح بدمجنا وتنظيم عملنا بطريقة تضمن أرزاقنا، بدلا من أن نبقى خارج المنافسة".

لماذا يُفضل المواطن تطبيقات النقل الذكية؟

كثيرون من المواطنين يفضلون استئجار سيارات التاكسي عبر تطبيقات النقل الذكية، لأسباب متعددة أبرزها الأجرة المناسبة.

وفي هذا الصدد يقول المواطن أحمد حسن، أنه بات يعتمد بصورة شبه كاملة على تطبيقات النقل الذكية، نظرا لما توفره من وضوح في الأجور وسهولة في طلب المركبات، خاصة بالنسبة لسكان المناطق البعيدة عن خطوط سير سيارات الأجرة التقليدية.

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "من أهم الأسباب التي تدفعني لاستخدام هذه التطبيقات هو أن الأجرة تكون معروفة مسبقا ومنظمة. فلا أدخل في جدال حول قيمة المشوار أو أتعرض لمساومات، فضلا عن ذلك ان السيارات تكون في الغالب حديثة ونظيفة، وهناك معلومات واضحة عن السائق ومسار الرحلة".

ويتابع حسن قائلا أن "التطبيقات تحفظ حق الراكب في الوصول إلى وجهته دون تغيير المسار أو المبالغة في الأجرة، كما أنها توفر وسيلة سهلة وسريعة للاستئجار في أي وقت، لا سيما لمن يسكنون في مناطق بعيدة عن الشوارع الرئيسة التي تمر بها سيارات الأجرة، وهو ما جعلها خيارا مفضلا لدى كثيرين من المواطنين".

تنظيم القطاع

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي همام الرفيعي، أن "القضية لا ينبغي أن تُعالج من زاوية المنع أو الإلغاء وحسب، بل من خلال تنظيم القطاع بطريقة تضمن حقوق جميع الأطراف".

ويوضح في حديث صحفي أن "التطور التكنولوجي أصبح واقعا لا يمكن تجاهله، وان تطبيقات النقل توفر خدمات يفضلها الكثيرون من المواطنين، إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة وجود أضرار اقتصادية لحقت بآلاف السائقين الذين يعتمدون على سيارات الأجرة التقليدية كمصدر دخل رئيس".

ويضيف الرفيعي قائلا أن "الدولة مطالبة بوضع آليات تنظيمية تحقق التوازن بين الطرفين، سواء من خلال تنظيم منح التراخيص أم توفير برامج دعم وتأهيل للفئات المتضررة"، مشيرا إلى أن "قطع مصادر عيش آلاف العائلات أو تجاهل معاناتها ليس حلا مقبولا".

أما المتخصص في الشأن القانوني رامي العلي، فيشير إلى أن المطالبات بحظر تطبيقات النقل أو منعها من العمل "لا تستند إلى أساس قانوني واضح".

ويبيّن في حديث صحفي أن "هذه الخدمات ليست مخالفة للقوانين النافذة ما دامت تمارس نشاطها ضمن الأطر التي تسمح بها الجهات المعنية"، موضحا أن "اللجوء إلى المنع الكامل لن يكون حلا عمليا، لأن تلك التطبيقات أصبحت جزءا من واقع الخدمات الحديثة التي يعتمد عليها عدد كبير من المواطنين، فضلا عن أنها وفرت فرص عمل لآلاف السائقين الآخرين العاملين ضمن منظومتها".

ويلفت العلي إلى أن "الحل يكمن في وضع سياسات تنظيمية تراعي مصالح جميع الأطراف، وتحد من الآثار السلبية التي لحقت ببعض سائقي الأجرة التقليديين، بدلا من الدخول في مسار قانوني يصعب أن يؤدي إلى إيقاف هذه الخدمات كليا". 

أوضاع معيشية صعبة

وتأتي هذه المطالب في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة يواجهها كثيرون من العراقيين.  إذ ما زال قطاع النقل الفردي يمثل ملاذا لآلاف الباحثين عن العمل أو أصحاب الدخل المحدود. ففي بلد يعاني تحديات مرتبطة بسوق العمل وارتفاع معدلات البطالة بين بعض الفئات، يلجأ كثيرون من الشباب والعاطلين عن العمل إلى قيادة سيارات الأجرة لتأمين مورد مالي يومي، فيما يعتمد موظفون ومتقاعدون أيضا على هذا النشاط، باعتباره مصدرا إضافيا للدخل يساعدهم على مواجهة أعباء المعيشة المتزايدة – وفقا للرفيعي.