تشهد مدن عراقية عدة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الاحتجاجات والإضرابات والوقفات المطلبية، في مؤشر يعكس تنامي حالة الاستياء الشعبي من استمرار الأزمات الخدمية والاقتصادية والإدارية من دون معالجات جذرية؛ فمع اشتداد حرارة الصيف عادت أزمة الكهرباء إلى واجهة المشهد، دافعةً المواطنين في البصرة وميسان والأنبار والمثنى إلى التظاهر والاحتجاج على ساعات القطع الطويلة وتراجع التجهيز، فيما لوّح أصحاب المولدات الأهلية بإيقاف العمل احتجاجاً على ما وصفوه بغياب الدعم الحكومي.
وفي الوقت ذاته، تتواصل تحركات الأطباء المقيمين المطالبين بصرف رواتبهم ومعالجة أزمة التوظيف، وسط تحذيرات من تداعيات الأزمة على القطاع الصحي، بينما تتصاعد الاعتراضات الثقافية والشعبية الرافضة لاستثمار مبنى القشلة التاريخي وتحويله إلى مشاريع تجارية. كما يستعد الفلاحون لتنظيم جولات جديدة من الاحتجاجات للمطالبة بحقوقهم ومستحقاتهم، بالتزامن مع تحركات مطلبية في عدد من المحافظات للمطالبة بالخدمات الأساسية.
ويرى مراقبون أن تعدد بؤر الاحتجاج واختلاف عناوينها، من الكهرباء والخدمات إلى التوظيف وحماية الإرث الثقافي، يعكس تراكم أزمات مزمنة ما تزال تنتظر حلولاً حقيقية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة الغضب الشعبي إذا استمرت السلطات في التعامل مع هذه الملفات عبر الإجراءات المؤقتة والوعود غير المنجزة.
احتجاج الكهرباء في البصرة
وتشهد محافظة البصرة، احتجاجات مستمرة تندد بزيادة ساعات قطع الطاقة الكهربائية، وتطالب بإلغاء نظام البرمجة، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة.
يقول ناشطون بصريون، ان "هذه الحركة لن تتوقف وستزداد عمقاً في الأيام المقبلة نظراً لغياب الحلول الملموسة من قبل المسؤولين، فضلاً عن استمرار نهج المحاصصة والفساد في تولي زمام إدارة شؤون المحافظة بصورة خاصة، والدولة بصورة عامة، ودعوا الى تنسيق الحركة بين المحتجين لغرض تصعيد الحركة الاحتجاجية، بما يفضي الى إجبار السلطات على الاستجابة للمطالب المشروعة".
وفي الأسبوع الماضي جرى تنظيم ما يزيد على 9 تظاهرات في المحافظة احتجاجا على تردي الطاقة.
ويوم الخميس الفائت، تظاهر جمع كبير من أهالي قضاء الزبير امام محطة كهرباء الجاهزة، احتجاجاً على تردي واقع الكهرباء وزيادة ساعات القطع، مطالبين باستثناء القضاء من نظام البرمجة، كونه من أهم مناطق إنتاج النفط في العراق، وتتأثر صحة سكانه بالانبعاثات الغازية.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بتوفير الكهرباء بصورة مستمرة، رافضين البرمجة الحالية وحذروا من المقترحات التي تسعى الى برمجة الكهرباء.
واستقر التيار الكهربائي في البصرة منذ عام 2019 بعد تظاهرات عارمة، لكن تراجع إمدادات الغاز الإيراني من اندلاع الحرب في أواخر شباط الماضي ألقى بظلاله على التجهيز الكهربائي في عموم المحافظة.
وقال احد المحتجين احمد خلف، إن "هذه التظاهرة هي الرسالة الأولى للحكومة المحلية والجهات المعنية من أجل أن ينظروا بجدية لاستثناء قضاء الزبير من القطع المبرمج للكهرباء، وتوفير الكهرباء بصورة مستمرة ليس امتيازاً بل حق مشروع وتعويض مستحق عن الأضرار البيئية والصحية".
وأكد المتظاهر أحمد سلام، أن "مدينة الزبير تعاني من الأمراض الخطيرة بسبب الانبعاث الغازية لحقول النفط، والمسؤولون ينسون الأهالي بعد الانتخابات".
كما خرجت تظاهرة أخرى امام الشركة العامة لانتاج الطاقة الكهربائية في الجنوب بمنطقة الطويسة، وطالب منظموها بمعالجة ازمة الكهرباء في منطقتهم.
وأكدت التظاهرة أهمية زيادة ساعات التجهيز وتحسين استقرار التيار، مشددين على أهمية مراعاة الظروف المناخية الخاصة بالمحافظة خلال فصل الصيف. كما طالبوا باستثناء المحافظة من القطع المبرمج.
وتظاهر أهالي المدنية الكرفانية الأولى في قضاء الزبير، مطالبين بإلغاء برمجة قطع الكهرباء، وتحدثوا عن ان "طبيعة الكرفانات لا تتحمل ارتفاع درجات الحرارة".
إضراب المولدات الأهلية
وفي محافظة المثنى، أعلن عدد من أصحاب المولدات الاهلية عزمهم إطفاء المولدات في عموم مدينة السماوة، للاحتجاج على الظروف القاهرة والمجحفة التي باتت تهدد استمرار تشغيل المولدات بحسب بيانهم.
وذكر البيان، انهم يواجهون غرامات تعسفية تفرضها بعض الدوائر الحكومية، فضلاً عن عدم توفر كميات كافية من الوقود وقطع الحصص النفطية المخصصة لهم، إلى جانب ما وصفوه بصعوبة الحصول على إجازات التشغيل الرسمية.
واكد أصحاب المولدات، ان "قرار إطفاء المولدات جاء بشكل اضطراري وليس رغبة منهم في قطع التيار الكهربائي عن المواطنين"، مؤكدين أنهم وصلوا إلى (طريق مسدود) بسبب غياب الدعم الحكومي وتراكم الديون والغرامات.
قطع طريق رئيسي
وفي محافظة ميسان، قطع محتجون من ناحية سيد احمد الرفاعي الطريق الرابط مع محافظة ذي قار، احتجاجا على تردي الكهرباء في الناحية وانقطاعها لساعات طويلة، تجاوزت جدول الترشيد.
واكد المتظاهرون، ان انقطاع التيار الكهربائي في الناحية غير مبرمج، وفي أغلب الأحيان تنقطع لأكثر من 6 ساعات متتالية، ويتزامن ذلك في الغالب مع ارتفاع درجات الحرارة وبالتالي فهم مضطرون للتظاهر والتصعيد لحين الاستجابة لمطالبهم.
ونتج عن انقطاع التيار الكهربائي عن عموم مدن الانبار، حالة من الغضب والاستياء لدى المواطنين الذين طالبوا بوضع حلول جذرية تقي المواطن حرارة الصيف.
وقال الشيخ حاتم طاهر الدليمي، احد وجهاء الانبار ان "معظم مدن الانبار شهدت انقطاعا شبه تام للتيار الكهربائي، مع توقف عدد من محطات ضخ المياه الصالحة للشرب للأحياء السكنية.
وتساءل الدليمي عن المغزى من هذا الاجراء الذي تزامن مع ارتفاع درجات الحرارة الى اكثر من 41 درجة؟
القشلة ليست للبيع
هذا ونظم عدد كبير من أصحاب المكتبات ورواد شارع المتنبي، بدعوة من جمعية الناشرين والكتبيين، وقفة احتجاجية امام مبنى القشلة التاريخي، للاحتجاج على استمرار اغلاق ابوابه امام مرتاديه، ومحاولة منح المبنى للاستثمار، وتحويله ـ وفقاً لمحتجين ـ الى مجمع للمطاعم والمقامي وأسواق تجارية.
واعتبروا ذلك طمساً للهوية التاريخية والثقافية لواحد من أبرز معالم بغداد الحضرية التي تمتد لأكثر من 165 عام، ورفضوا الاستمرار في غلق المبنى منذ عام ونصف بداعي التأهيل.
وأكد نائب سكرتير جمعية الناشرين والكتبيين بلال ستار، أن "هذه الوقفة جاءت للمطالبة بفسخ عقد المستثمر الذي يسعى لتحويل القشلة إلى مركز تجاري ومطاعم"، وأضاف ان "القضية في الحقيقة مجحفة جداً بحقنا كأصحاب مكتبات في شارع المتنبي، وبحق الثقافة العراقية ككل".
وبين المتظاهر محمد رسن ان "التحركات الاحتجاجية مستمرة ولن تتوقف، وهذه هي الوقفة السادسة عند بوابة القشلة لمنع استثمارها"، مشيرا الى ان "ما نراه هو إصرار غريب على جعل الرثاثة تغزو كل مفاصل الحياة في العراق، بينما نريد نحن الحفاظ على آخر ما تبقى من الأماكن الجمالية في بلادنا".
الإضراب مستمر حتى تتحقق المطالب
وتستمر إضرابات الأطباء المقيمين من دفعة 2024 في مختلف المستشفيات، حيث نظم الأطباء المقيمون العاملون في دائرة صحة ميسان وقفة داخل مستشفى الحكيم، احتجاجا على تأخر صرف رواتبهم منذ 5 أشهر، وعلى تدنيها، معلنين استمرار الإضراب عن الدوام الحكومي لحين تحقيق المطالب.
وقال عدد من المضربين، ان رواتبهم لا تتجاوز 400 الف دينار واغلبهم يعيشون في محافظات أخرى، ورغم أن رواتبهم لا تفي بالحد الأدنى من احتياجهم، لكنهم مضطرون لقبولها، إلا أنها "لم تصرف لهم منذ 5 أشهر، وهذا ما أساء العلاقة بين الطبيب المقيم الذي يقدم خدمة للمواطن وبين حكومة لم تنصفهم".
من جانبها، أعلنت نقابة الأطباء تبنيها الكامل لمطالب الأطباء المضربين عن العمل من دفعة 2024 والدفعات اللاحقة. وطالبت السلطات بمعالجة الازمة بشكل كامل لتفادي التداعيات الخطيرة، عازية تفاقم هذه الأوضاع الى "سوء الإدارة والقصور في التخطيط".
وأكدت النقابة في بيانها، وجود قصور في التخطيط، وسوء إدارة، إلى جانب الأخطاء التشريعية، ما ألقى بظلاله على مسار التعليم الطبي، حتى باتت أزمة التوظيف تهدد مستقبل الخريجين، بدءًا من خريجي دفعة 2024 وما تلاها من دفعات.
وبينت ان الدافع الأساس وراء الاضراب عن العمل ليس (ترفاً او طمعاً في المطالب) وإنما الشعور باليأس وانعدام وضوح الرؤية والخوف من مستقبل مجهول. وهذا ما تشهده اليوم مستشفيات العراق التي لم تعرف من قبل إضرابًا بهذه السعة والإصرار، الأمر الذي يعكس حجم القلق الذي يعيشه الأطباء الشباب.
ودعت النقابة الى "تبني المطالب بصورة رسمية من قبل الجهات المعنية، وتوفير الطمأنينة والاستقرار لهذه الشريحة وتشجيعهم على العودة إلى مواقع عملهم واستئناف أداء واجباتهم المهنية والإنسانية، بما يضمن استمرار تقديم أفضل الخدمات الطبية لأبناء شعبنا الكريم".
وشدد البيان على "ضرورة اعتماد لغة التفاهم والحوار، بدل التهديد والتصعيد مع المحتجين، لتجنب الاحتقان وفقدان الثقة"، مؤكدة ان "العقود الحالية لا تنسجم مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المضربين".
مواعيد جديدة للاحتجاج
أعلنت الجمعيات الفلاحية في محافظات النجف والمثنى وواسط تنظيم احتجاجات محلية هذا الأسبوع، للتأكيد على المطالب التي جرى رفعها في بغداد الأسبوع الماضي، وأكدت الجمعيات، بعد عقد اجتماعات موسعة للفلاحين في هذه المحافظات، ان "احتجاجاتهم ستبقى متواصلة حتى تتحقق المطالب المشروعة".
ورُوّجت أخيرا دعوات للخروج بتظاهرات غاضبة، اليوم الاحد، في قضاء الرمثية بمحافظة المثنى، للاحتجاج على الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي. فيما تشهد مناطق أخرى من مختلف المحافظات انقطاعاً متزايداً للمنظومة الكهربائية، وسط تصاعد الدعوات للخروج بتظاهرات تندد بغياب الحلول الشاملة لهذه الازمة.
واعلن ممثلو شركات محلية عدة في القطاع النفطي، عزمهم التظاهر امام مبنى البنك المركزي، للاحتجاج على عدم تسلم مستحقاتهم المالية بالدولار، مطالبين الجهات المعنية بالإسراع بمعالجة الملف وضمان صرف المستحقات وفق العقود المبرمة، محذرةً من تداعيات استمرار الأزمة على أعمال الشركات وآلاف العاملين فيها.
ونظم عدد من أهالي منطقة ام الخيل وسط الديوانية، وقفة احتجاجية للمطالبة بتوفير الخدمات الأساسية لمنطقتهم، وتأهيلها بشكل كامل.