اخر الاخبار

أعادت حوادث السير الدامية التي شهدها عدد من شوارع البلاد خلال الأيام الأخيرة، ملف السلامة المرورية إلى واجهة الاهتمام العام، بعد أن تحولت الطرق الخارجية إلى مسرح للمآسي البشرية.

وكان آخر تلك الحوادث فاجعة الحافلة التي احترقت بالكامل على الطريق الدولي الرابط بين البصرة وذي قار، مخلفة 21 قتيلاً و19 مصاباً، في ظل غياب شروط السلامة ووسائل الإنقاذ.

ووقعت هذه الحادثة قبل أقل من 24 ساعة على مصرع الإعلامي هلكوت عزيز في حادث سير على الطريق ذاته، ما جدد التساؤلات عن أسباب استمرار نزيف الأبرياء في الشوارع، بالرغم من إعلان الجهات الحكومية عن توسع استخدام الرادارات والكاميرات الذكية وانخفاض نسب الحوادث في بعض المحاور الرئيسة.

ويُعد ملف الحوادث المرورية من أبرز التحديات التي تواجه العراق، في ظل تداخل عوامل متعددة تقف وراء ارتفاع أعداد الضحايا سنويا. فإلى جانب السرعة المفرطة والقيادة المتهورة وعدم الالتزام بقواعد السير، يتحدث مراقبون واختصاصيون عن رداءة بعض الطرق وافتقارها إلى متطلبات السلامة الأساسية، مثل الإشارات التحذيرية والعلامات المرورية والإنارة والحواجز الواقية. كما تتسبب الحفر والتخسفات والمنعطفات غير المؤشرة وأعمال الصيانة غير المكتملة في زيادة مخاطر التنقل، خصوصا على الطرق الخارجية التي تشهد حركة كثيفة للمركبات.

وأمام تكرار الحوادث المروعة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أطلق العراقيون على عدد من الطرق السريعة والرئيسة تسمية "طرق الموت"، في إشارة إلى سجلها الحافل بالتصادمات والحوادث القاتلة. وتحولت هذه التسمية إلى وصف متداول شعبيا وإعلاميا لطرق باتت ترتبط في أذهان المواطنين بمشاهد الحوادث والخسائر البشرية، وسط مطالبات متكررة بتطوير البنى التحتية، ومعالجة مواطن الخلل الهندسي، وتشديد الرقابة المرورية للحد من نزيف الأرواح المستمر على تلك الطرق.

أرقام مقلقة ومؤشرات متناقضة

تشير بيانات رسمية إلى أن العراق يسجل سنوياً نحو 2700 حالة وفاة وأكثر من 11 ألف إصابة نتيجة حوادث السير، في وقت تجاوز فيه عدد المركبات المسجلة 7 ملايين مركبة، وسط نمو متواصل يفوق قدرة البنية التحتية الحالية على الاستيعاب.

وخلال مؤتمر صحفي عقدته وزارة الداخلية، أكد مدير دائرة العلاقات والإعلام اللواء مقداد ميري أن اعتماد الرادارات وكاميرات المراقبة الحديثة ساهم في خفض الحوادث المرورية على بعض الطرق الرئيسة بنسبة تصل إلى 50 في المائة، لا سيما على محاور بغداد – كربلاء، وبابل – كربلاء، والنجف – كربلاء.

كما كشفت مديرية المرور العامة عن تسجيل أكثر من 45 ألف مخالفة مرورية عبر منظومة الرصد الإلكتروني، جرى تثبيت أكثر من 41 ألفاً منها بعد التدقيق، ما يعكس حجم المخالفات اليومية المرتكبة على الطرق.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن تكرار الحوادث الجماعية ذات الخسائر البشرية الكبيرة يشير إلى أن المشكلة تتجاوز الجانب الرقابي، لتشمل منظومة متكاملة من العوامل البشرية والهندسية والإدارية 

العامل البشري

وفقا لوزير النقل الأسبق سلام المالكي، فإن السائق لا يزال يمثل العامل الأكثر تأثيراً في الحوادث المرورية.

ويقول في حديث صحفي، أن السائقين يتسببون في ما يزيد على ثلاثة أرباع الحوادث المرورية، نتيجة السرعة المفرطة التي تتصدر أسباب الحوادث المميتة، خاصة على الطرق السريعة والخارجية.

ويضيف المالكي قوله أن عدم الالتزام بقواعد المرور، والتجاوزات الخاطئة، وعدم احترام أسبقية المرور، فضلاً عن استخدام الهواتف المحمولة أثناء القيادة، كلها عوامل ترفع احتمالات وقوع الحوادث بصورة كبيرة.

كما يشير إلى أن الإرهاق يمثل سبباً آخر لا يقل خطورة، لا سيما بين سائقي الحافلات وسيارات الأجرة العاملة على خطوط السفر الطويلة، خصوصاً خلال مواسم الزيارات الدينية التي تشهد حركة نقل كثيفة بين المحافظات. وتعزز هذه المعطيات ما أعلنته وزارة الداخلية عن تسجيل 157 حالة قيادة تحت تأثير الكحول خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب استمرار حملات مراقبة استخدام الهواتف المحمولة أثناء القيادة.

طرق بلا معايير أمان

رغم أهمية العامل البشري، يؤكد المالكي أن الأزمة لا يمكن اختزالها بسلوك السائقين وحده، بل ترتبط أيضاً بواقع الطرق والبنية التحتية.

ويوضح أن العديد من الطرق تعاني المطبات والتخسفات والتموجات الناتجة عن غياب الصيانة الدورية، الأمر الذي يفقد السائق السيطرة على مركبته في كثير من الأحيان، فضلاً عن افتقار عدد كبير من الطرق إلى الإنارة الليلية والخطوط الأرضية والشاخصات المرورية الضرورية. كما يتحدث عن وجود تحويلات وقطوعات مرورية غير مدروسة هندسياً على بعض الطرق السريعة، ما يجعلها مصدراً دائماً للمفاجآت والحوادث.

ويشير اختصاصيون إلى أن اتساع شبكة النقل في البلاد خلال السنوات الأخيرة لم يترافق مع برامج تطوير وصيانة مماثلة، الأمر الذي خلق فجوة بين حجم الاستخدام الفعلي للطرق ومستوى جاهزيتها الفنية والأمنية.

ما دور التكنولوجيا المرورية؟

في المقابل، تتمسك الجهات المعنية بفاعلية الإجراءات الحديثة التي تم تطبيقها خلال الفترة الماضية.

ويقول مدير شعبة الإعلام في مديرية المرور العامة، العقيد حيدر شاكر، ان معدلات الحوادث شهدت انخفاضاً ملحوظاً نتيجة استخدام التكنولوجيا الحديثة والكاميرات والرادارات ومحددات السرعة.

ويبيّن في حديث صحفي أن ارتفاع أو انخفاض الحوادث يبقى مرتبطاً بدرجة التزام المواطنين بالتعليمات والقوانين المرورية، مؤكداً أن المديرية تعمل على توسيع استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة بهدف تقليل الحوادث إلى أدنى مستوى ممكن.

إلا أن المالكي يرى أن هذه المنظومات لا تزال تتركز في العاصمة وبعض مراكز المحافظات، بينما تفتقر غالبية الطرق الخارجية إلى رقابة إلكترونية مستمرة، وهو ما يقلل من فاعلية الردع على المحاور التي تسجل أعلى معدلات الحوادث القاتلة.

ثغرات تنظيمية ورقابية

إلى جانب مشكلات الطرق والسلوك المروري، يلفت المالكي إلى وجود عوامل أخرى تساهم في تفاقم الأزمة، من بينها التساهل في منح إجازات القيادة، واستيراد مركبات لا تستوفي شروط السلامة الأساسية، فضلاً عن ضعف الرقابة على مواصفات الأمان.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ملف السلامة المرورية لا يرتبط فقط بفرض المخالفات أو نصب الرادارات، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة لمنظومة النقل والمرور، تشمل التدريب والتأهيل والفحص الفني للمركبات وتطوير التشريعات وآليات التنفيذ.

 

جذور الخلل

من جانبه، يقول عضو لجنة النقل والاتصالات والحوكمة في البرلمان، علي شيخ خالص البرزنجي، أن حجم الخسائر البشرية الناتجة عن الحوادث الأخيرة يفرض إجراء مراجعة شاملة للملف المروري في البلاد.

ويشير في حديث صحفي إلى أن تشخيص المشكلة يمثل الخطوة الأولى نحو العلاج، لافتا إلى أن اللجنة تتابع أسباب الحوادث من مختلف الجوانب، سواء في ما يتعلق بالهندسة المرورية أم السرعات العالية أم تنظيم حركة السير أم كفاءة الإشارات المرورية.

ويضيف قائلا أن الوصول إلى تشخيص دقيق للخلل سيمكّن السلطة التشريعية من ممارسة دورها الرقابي وتوجيه الحكومة نحو معالجة مواطن الضعف الحقيقية التي تقف خلف تكرار الحوادث.

وتؤكد الحوادث الأخيرة أن أزمة المرور في العراق لم تعد مجرد مخالفات فردية أو أخطاء عابرة، بل باتت تمثل تحدياً وطنياً يرتبط بسلامة المواطنين وكفاءة البنية التحتية وفاعلية المؤسسات المعنية.

وبينما أثبتت التكنولوجيا الحديثة قدرتها على خفض الحوادث في بعض الطرق، إلا أن استمرار وقوع الحوادث المرورية يؤكد أن المعالجة الحقيقية تتطلب رؤية شاملة تجمع بين تطوير الطرق، وتشديد الرقابة، ورفع كفاءة السائقين، وتعزيز ثقافة الالتزام المروري.