في شوارع بغداد ومدن أخرى، لا تكمن المخاطر دائما في تهوّر بعض سائقي المركبات والدرّاجات النارية، الذين يسيرون بسرعة جنونية. إذ كثيرا ما يكون الخطر تحت أقدام المارة مباشرة، بعد أن تحوّل العديد من فتحات الصرف الصحي وشبكات تصريف مياه الأمطار إلى مصائد مفتوحة تهدد حياة الأطفال والنساء وكبار السن.
ولم تعد تلك المخاطر مجرد احتمالات نظرية. إذ شهدت مدن عديدة خلال السنوات الأخيرة، حوادث متعددة سقط فيها أطفال وكبار داخل فتحات الصرف المكشوفة، انتهى بعضها إلى إصابات متفاوتة الخطورة، فيما أودت حوادث أخرى بحياة الضحايا، لا سيما خلال موسم الأمطار حين تغمر المياه الشوارع وتختفي ملامح الفتحات عن الأنظار. وقد أثارت تلك الحوادث موجات من الغضب والمطالبات الشعبية بإيجاد حلول جذرية للحد من تكرارها.
وتتعرض أغطية المنهولات إلى السرقة من قبل أشخاص يعملون في بيع الخردة لصالح شركات ومعامل تدوير، من أجل الحصول على أموال سهلة وسريعة.
ولا تقتصر المشكلة على سرقة الأغطية المعدنية بغرض بيعها كخردة، بل تمتد إلى أغطية قديمة ومتهالكة لم تعد قادرة على تحمّل الأوزان، فضلا عن رفع بعضها أثناء أعمال الصيانة أو تسليك الشبكات من قبل الجهات المتخصصة من دون إعادتها بسرعة. ويؤكد مواطنون ان بعض المنهولات تبقى مفتوحة لأيام أو أسابيع في الأحياء السكنية والشوارع العامة، ما يحوّلها إلى مصدر خطر دائم.
وأمام بطء المعالجات، يلجأ بعض الأهالي إلى وسائل بدائية لتحذير المارة والسائقين من مواقع الخطر، من خلال وضع أعمدة خشبية أو سعفات نخيل أو إطارات سيارات تالفة أو حتى أكياس نفايات فوق الفتحات المكشوفة. ورغم أن هذه الحلول المؤقتة قد تنبه المارة إلى وجود الخطر، إلا أنها لا توفر حماية حقيقية، خصوصا في الليل أو أثناء العواصف والأمطار.
ولا ينحصر خطر المنهولات المفتوحة على المشاة فقط. إذ تتسبب سنويا في أضرار مادية لعشرات المركبات والدراجات النارية. فالسقوط المفاجئ داخل منهولة مفتوحة أو متهالكة قد يؤدي إلى تحطم الإطارات وأنظمة التعليق، وأحيانا إلى حوادث مرورية نتيجة محاولات السائقين تفاديها بشكل مفاجئ.
انزلاق دون سابق إنذار!
يوم الخميس الماضي، وتحديدا في حي الجهاد غربي بغداد، سقط شاب في فتحة مجارٍ مكشوفة، بينما كان يمسك بشقيقه الصغير، ما عرّضهما إلى إصابات.
يقول الشاب، واسمه علي محمد: "اصطحبت أخي إلى مكان قريب من منزلنا لاشتري له بعض الحلوى وكنت أمسكه بيدي، ولم أشعر إلا بقدمي وقد انزلقت في فتحة الصرف الصحي المجرّدة من غطائها".
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "لحسن الحظ امسكت أخي بيدي بقوة لتفادي السقوط كليا في فتحة المجاري، ولم أصب إلا ببعض الخدوش البسيطة"، مؤكداً انه "تم أكثر من مرة وضع سدادة حديدية على هذه المنهولة القريبة من بيتنا لتفادي سقوط الأطفال، لكننا نتفاجأ كل مرة بسرقة غطاء الفتحة".
فيما تقول المواطنة أم نور، وهي من سكان المنطقة نفسها، أن "سرقة أغطية فتحات المجاري عمل مشين يصل إلى مستوى الجريمة، لأنه يُلحق أضرارا بالمواطنين"، مضيفة في حديث صحفي قولها: "لم أعد أسمح لأطفالي بالخروج واللعب بمفردهم خشية سقوطهم في فتحة الصرف القريبة من بيتنا".
وتشير إلى أن "الحلول التي يضعها الأهالي لغلق الفتحة غير ناجحة، بما في ذلك وضع غطاء حديدي فوقها وصبه بالاسمنت، لأن ضعاف النفوس يقومون بسرقة الغطاء في اليوم التالي".
تصاعد سرقات الأغطية
من جانبها، تؤكد أمانة بغداد زيادة حالات سرقة أغطية المنهولات في الشوارع والأزقة، بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة.
ويقول المتحدث باسم الأمانة عدي الجنديل، أن "الأمانة تنسق مع القوات الأمنية لمتابعة هذا الموضوع ومطاردة عصابات سرقة أغطية المنهولات من خلال عمل كمائن لهم وإلقاء القبض عليهم".
ويوضح في حديث صحفي أن "سرقة هذه الأغطية قضية من القضايا العامة التي تسبب ضرراً في الشوارع وتشكل خطرا على الأهالي"، لافتا إلى أن "أمانة بغداد تقوم بتعويض الأغطية المسروقة، وتبذل جهودا للحد من عمليات السرقة، بالتنسيق مع القوات الأمنية".
ويلفت الجنديل إلى انه "تم وضع سيطرات ونقاط تفتيش في أطراف العاصمة لمتابعة السراق والعصابات. وقد تم القبض على عدد من هؤلاء، واتخذت بحقهم الإجراءات القانونية"، مشيراً إلى "استمرار هذه السرقات بسبب تعامل أصحاب معامل الصهر التي تقع خارج بغداد مع السراق. حيث يشترون منهم الأغطية التي هي ممتلكات عامة يجب الحفاظ عليها".
ويشدد على "ضرورة أن يقوم المواطنون بإبلاغ وزارة الداخلية عبر الاتصال بالرقم 911 في حال مشاهدة أي حالة تتعلق بسرقة أغطية المنهولات".
جزء من المشهد اليومي
في السياق، يقول المواطن زياد الكرخي، أن المنهولات المفتوحة أصبحت جزءا من المشهد اليومي في بعض المناطق، لدرجة أن الأهالي صاروا يعرفون مواقعها ويحذرون أطفالهم منها باستمرار".
ويضيف في حديث صحفي قوله أن "المشكلة تبدأ عندما يمر شخص غريب أو طفل لا يعرف المنطقة، أو عندما تغمر مياه الأمطار الشوارع فتختفي الفتحات تماما"، مشيرا إلى أن "هناك تقصيرا من قبل بعض الدوائر المعنية، التي لا تُسارع إلى معالجة المنهولات المفتوحة، رغم شكاوى المواطنين".
أما سائق الأجرة أحمد جاسم، فيقول أن "المنهولات المتآكلة أو المفتوحة لا تقل خطورة عن الحفر الكبيرة في الشوارع"، مبينا أن "عددا من السائقين تعرضوا لخسائر مالية بسبب تضرر مركباتهم بعد السقوط فيها، خصوصا في المناطق التي تعاني ضعف الإنارة ليلا".
إلى ذلك، يرى مراقبون أن استمرار الظاهرة لا يرتبط فقط بعمليات السرقة، بل يكشف أيضا عن خلل في إجراءات المتابعة والصيانة الدورية للبنى التحتية. إذ يفترض أن تكون هناك جولات تفتيش منتظمة لرصد المنهولات المتضررة واستبدالها سريعا، إلى جانب تشديد الرقابة والملاحقة على تجارة الخردة والمعامل التي تستقبل الأغطية المسروقة.