اخر الاخبار

في كل شهر، يُستقطع جزء من راتب أحمد، العامل في إحدى شركات القطاع الخاص في بغداد، تحت بند "الضمان الاجتماعي"، على أمل أن يضمن له ذلك حقه في التقاعد والرعاية الاجتماعية مستقبلا.  لكن الصدمة جاءت عندما راجع دائرة التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال، ليكتشف أنه غير مسجل أصلا ضمن قاعدة بيانات المشمولين بالضمان.

يقول أحمد العبوسي، وهو أب لثلاثة أطفال، إن الشركة كانت تؤكد للعاملين باستمرار أنها تقوم بإجراءات الضمان بشكل رسمي، مضيفاً "كنا نعتقد أن الاستقطاعات تذهب إلى الضمان فعلا، لكن بعد سنوات من العمل اكتشفت أن اسمي غير موجود، وكأن كل تلك الأموال اختفت".

ولا تبدو قصة أحمد حالة فردية، إذ تتكرر الشكاوى ذاتها بين عدد من العاملين في القطاع الخاص، الذين يؤكدون أن الشركات التي يعملون فيها تستقطع شهريا مبالغ مالية من رواتبهم بحجة شمولهم بالضمان الاجتماعي، بينما هم فعليا خارج منظومة الضمان، ما يحرمهم من أي حقوق تقاعدية أو قانونية مستقبلا.

استقطاعات بلا حقوق

سجاد رضا، هو الآخر عامل في شركة أهلية، يقول لـ "طريق الشعب" إنه اكتشف الأمر بالصدفة بعد تعرضه لإصابة عمل أجبرته على مراجعة الجهات المختصة. ويوضح: "عندما طلبت تأييداً يثبت شمولي بالضمان، أخبروني أن الشركة لم تسجلني أصلا. شعرت وقتها أن سنوات عملي ضاعت بلا أي ضمان".

ويشير إلى أن إدارة الشركة كانت ترفض إعطاء العاملين أي وصولات أو مستندات رسمية تثبت دفع مبالغ الضمان، مكتفية بذكر الاستقطاع ضمن الراتب الشهري. ويضيف: "كنا نخشى الاعتراض خوفا من الطرد، خاصة مع قلة فرص العمل".

أما زهراء وليد، التي تعمل في شركة تسويق أهلية، فتقول إن كثيرا من العاملين لا يعرفون أصلا كيفية التأكد من شمولهم بالضمان الاجتماعي، الأمر الذي تستغله بعض من هذه الشركات.  وتوضح لـ "طريق الشعب" أن "هناك موظفون يعتقدون أن مجرد وجود استقطاع في الراتب يعني أنهم مشمولون بالضمان الاجتماعي للعمال، لكن الحقيقة مختلفة تماما".

ضعف الرقابة يفاقم الأزمة

ويرى مختصون في الشأن العمالي أن هذه الحالات تكشف وجود خلل رقابي واضح على تطبيق قانون الضمان الاجتماعي في القطاع الخاص، خاصة مع تزايد أعداد الشركات التي تعمل بعيدا عن المتابعة الحقيقية.

المحامي والمختص بالشأن العمالي جعفر عبد الله يقول لـ "طريق الشعب" إن بعض الشركات تلجأ إلى استقطاع مبالغ الضمان من العاملين دون تحويلها فعليا إلى الجهات المختصة، مستفيدة من ضعف الرقابة وقلة الوعي القانوني لدى العاملين. ويضيف أن كثيرا من العمال لا يراجعون بياناتهم إلا بعد التعرض لحادث أو عند التفكير بالتقاعد، ليكتشفوا أنهم خارج منظومة الضمان بالكامل. كما يشير إلى أن بعض العاملين يخشون تقديم شكاوى رسمية بسبب التهديد بالفصل أو خسارة وظائفهم، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة واعتماد كثير من العائلات على مصدر دخل واحد.

العمال الحلقة الأضعف

ورغم أن قانون العمل يلزم أصحاب الشركات بشمول العاملين بالضمان الاجتماعي، إلا أن التطبيق على أرض الواقع ما يزال يواجه مشكلات كبيرة، أبرزها غياب التفتيش المستمر، وضعف العقوبات الرادعة بحق الشركات المخالفة.

ويؤكد عاملون أن المشكلة لا تتعلق فقط بالأموال المستقطعة، بل بالشعور بفقدان الأمان الوظيفي، إذ يدرك العامل بعد سنوات من الخدمة أنه لا يمتلك أي حقوق تقاعدية أو ضمانات صحية تحميه مستقبلا.

ويقول عامل آخر فضل عدم دكر اسمه لـ "طريق الشعب": "نحن لا نطلب امتيازات كبيرة، فقط نريد حقوقنا التي تستقطع من رواتبنا أصلا. العامل في القطاع الخاص يشعر دائما أنه الطرف الأضعف، وأنه يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة".

ومع تزايد الحديث عن إصلاحات اقتصادية وتشجيع الاستثمار، يرى ناشطون أن حماية حقوق العاملين يجب أن تكون أولوية لا تقل أهمية عن دعم القطاع الخاص نفسه، خصوصا وأن غياب الضمان الحقيقي لا يهدد مستقبل العامل وحده، بل يخلق بيئة عمل غير مستقرة تقوم على الخوف والاستغلال وانعدام الثقة بين العامل وصاحب العمل.