اخر الاخبار

بادر العشرات من الناشطين خلال الأيام الماضية، إلى إطلاق المئات من طيور البط، فضلا عن السلاحف، في نهر دجلة وغيره من أنهار البلاد، في محاولة لإعادة التوازن البيئي والحد من المشكلات البيئية الناجمة عن شح المياه والصيد الجائر، إضافة الى التلوث.

وبينما بدأت المبادرة بالاتساع من بغداد لتشمل محافظات عدة، أعلنت وزارة البيئة منع إطلاق الحيوانات والنباتات في الأنهر من دون الحصول على موافقات أصولية.

وبدأت المبادرة بعد ظهور الناشط حيدر عبد الوهاب على ضفاف دجلة في بغداد، معلناً إطلاق 262 زوجاً من البط، إضافة إلى 25 ألف أصبعية من سمك الكارب، مستغلاً ارتفاع منسوب المياه نتيجة الأمطار الأخيرة في تعزيز التنوع الاحيائي وإعادة التوازن البيئي.

وخلال الساعات الأولى من مبادرته، نشر عبد الوهاب أكثر من مقطع مصور على حساباته، لاقت تفاعلاً كبيراً من الناس، لتتحول من مبادرة فردية إلى حملة وطنية شاملة شهدت مشاركة أطراف متعددة، من بينها ناشطون ومنظمات وعشائر وحتى رجال أمن، في محافظات عدة. حيث بدأوا بإطلاق طيور مائية يتم شراؤها من الأسواق، إلى جانب السلاحف وطيور النورس التي يتم صيدها لغرض بيعها. وقد شملت الحملة محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى والنجف وكربلاء وبابل وميسان والبصرة.

وتأتي هذه المبادرة في وقت يواجه فيه العراق تراجعا ملحوظا في التنوع الاحيائي، نتيجة تراكم أزمات بيئية متعددة، من بينها شح المياه ونقص الإطلاقات المائية وارتفاع نسب التلوث، فضلا عن الصيد الجائر الذي طال أصنافا مختلفة من الطيور والأسماك والكائنات المائية. وخلال السنوات الماضية، اختفت أو تراجعت أعداد بعض الأنواع التي كانت تشكل جزءاً من البيئة النهرية العراقية، ما دفع ناشطين ومهتمين بالشأن البيئي إلى البحث عن وسائل شعبية للمساهمة في حماية ما تبقى من هذا التنوع.

ولا تقتصر التحديات على الجفاف فقط. إذ تعاني الأنهار، وفي مقدمتها دجلة والفرات، مستويات مرتفعة من التلوث الناتج عن تصريف مياه المجاري غير المعالجة ورمي المخلفات الصناعية ومخلفات الأنشطة التجارية والخدمية. وتشير تقديرات بيئية إلى أن عشرات المصبات التابعة لمؤسسات حكومية وأخرى أهلية تصب المخلفات مباشرة في المجاري المائية، ما يؤثر على نوعية المياه ويهدد الأحياء المائية ويقوض أي جهود لإعادة التوازن البيئي.

ورغم الدعم الإعلامي والاهتمام الشعبي بحملة عبد الوهاب، إلا أن المؤيدين لها صدموا بتصرفات فردية تمثلت في صيد بعض طيور البط بعد ساعات من إطلاقها، ما أثار استياء الناشطين من جهة، ودفع بمزيدٍ من المتبرعين لإطلاق الطيور في الأنهر من جهة أخرى. وعلّق عبد الوهاب، بعد انتشار صور لشبان يصيدون البط، بالقول: "كنت خائفاً من الحيوانات المفترسة أن تأكل البط، لكن تبيّن أن البشر هم من يؤذون الطيور، وهذا سلوك لا يمثل غيرة العراقيين"! 

الحاجة إلى رعاية حكومية

في حديث صحفي، يقول الناشط البيئي حميد العراقي، أن "هذه الحملات ناجحة وتساعد على إحياء التوازن البيئي الذي بات مفقوداً في العراق بسبب الصيد الجائر للحيوانات من جهة، والجفاف الذي ضرب الأنهار والمسطحات المائية من جهة ثانية"، مشيرا إلى أن "نشر البط والأسماك في الأنهر، يحتاج إلى رعاية حكومية بدعم من الاختصاصيين في البيئة، كي لا تقع بعض الأضرار من دون قصد".

في السياق، يقول الخبير البيئي عبد الرحمن الجبوري، أن "مبادرة إطلاق البط والأسماك تمثل رسالة مجتمعية مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا عن المعالجات الجذرية للمشكلات البيئية"، مضيفا في حديث صحفي أن "الكائنات التي يجري إطلاقها ستواجه تحديات كبيرة إذا بقيت الأنهار ملوثة واستمرت عمليات الصيد العشوائي. لذلك يجب أن تترافق المبادرات الشعبية مع إجراءات حكومية لحماية الأنهار ومعالجة مصادر التلوث وتشديد الرقابة على الصيد".

أما المواطن علي الفضلي، وهو أحد المشاركين في إطلاق الطيور المائية، فيقول ان "الهدف ليس فقط زيادة أعداد البط، بل إعادة الاهتمام بالبيئة العراقية".

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "الكثير من العراقيين نشأوا وهم يشاهدون أسراب الطيور على ضفاف الأنهار، لكن أعدادها تراجعت بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة بسبب الجفاف والتلوث والصيد، لذلك جاءت المبادرة لتذكير الناس بأن حماية البيئة مسؤولية جماعية".

هل سيصمد البط في النهر؟!

لكن جدلاً بيئياً ظهر عقب توسّع الحملة، من قبل بعض الناشطين في قضايا البيئة. إذ يرون انّ "البط الأليف الذي يربى في المزارع غير قادر على البقاء في المياه، لا سيما أنه اعتاد على الأقفاص والبيوت، ولا يملك غريزة البحث عن الطعام أو الاختباء في البيئة البرية المفتوحة ما يعرّضه لخطر الهلاك والافتراس".

وفي هذا الصدد، يذكر محمد الساعدي، وهو ناشط بيئي من ذي قار، أن "الطيور الصغيرة تفتقر للريش المقاوم للماء وهي غير قادرة على مقاومة تيارات نهر دجلة القوية، ما يجعلها فريسة سهلة للحيوانات البرية مثل ثعالب الماء والنوارس والصقور والكلاب السائبة، أو عرضة للموت غرقاً"، موضحاً في حديث صحفي أن "البط يحتاج إلى بيئة نظيفة، وأن مياه الأنهر تعاني التلوث وتراكم النفايات عند الضفاف، بالتالي لا بد من جهود حكومية تضاف إلى جهود النشطاء المشاركين في الحملة".

البيئة تشدد على الموافقات الأصولية

من جهته، أعلن مدير عام دائرة التوعية والإعلام البيئي، أمير علي الحسون، منع إدخال أو إطلاق الأحياء النباتية والحيوانية في البيئة الطبيعية من دون موافقات أصولية من وزارة البيئة، مؤكدا في حديث صحفي أن المخالفين سيتم التعامل معهم وفق القانون.

وقال في حديث صحفي أن "وزارة البيئة تثمّن الاهتمام المجتمعي المتزايد بالقضايا البيئية وتدعم جميع المبادرات الهادفة إلى حماية البيئة والتنوع الأحيائي، شريطة أن تستند إلى أسس علمية وقانونية وأن تنفذ بالتنسيق مع الجهات المختصة والحصول على الموافقات الرسمية اللازمة".

وأوضح الحسون أن "إطلاق الطيور أو الحيوانات الداجنة في البيئات الطبيعية، ومنها نهر دجلة، دون دراسة مسبقة قد يؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي من خلال المنافسة مع الأنواع المحلية أو نقل الأمراض والطفيليات أو التأثير في التنوع الأحيائي القائم"، لافتا إلى ان "قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 يمنع إدخال أو إطلاق الأحياء النباتية والحيوانية في البيئة الطبيعية من دون موافقات أصولية من وزارة البيئة".

وأشار إلى أن "الوزارة وجهت الجهات الفنية المختصة بمتابعة موضوع إطلاق الطيور وتقييم آثاره البيئية والقانونية واتخاذ الإجراءات المناسبة بما يضمن حماية التنوع الأحيائي والحفاظ على التوازن البيئي"، داعيا المواطنين والمنظمات والمبادرات التطوعية إلى "التعاون والتنسيق المسبق مع الجهات المختصة عند تنفيذ أي نشاط بيئي".

إلى ذلك، يرى مراقبون أن نجاح مثل هذه المبادرات سيبقى محدودا ما لم ترافقه خطط حكومية لمعالجة التلوث، وتطوير محطات معالجة مياه الصرف الصحي، والحد من التجاوزات على الأنهار، وحماية الكائنات المائية والبرية من الصيد الجائر.

فإعادة إطلاق مئات الطيور والأسماك قد تمنح البيئة فرصة للتعافي، لكنها لا تستطيع وحدها مواجهة سنوات طويلة من الإهمال البيئي وتدهور المنظومات الطبيعية.