اخر الاخبار

على هامش التحولات الاقتصادية المتسارعة، يواجه سوق العمل في العراق اختلالات متراكمة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها شريحة العمال. فبين تراجع فرص التشغيل واتساع رقعة العمل غير المنظم، تتزايد الضغوط على العاملين الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة لا تضمن لهم الاستقرار أو الحماية الكافية.

وفي ظل ثبات الأجور وضعف تطبيق القوانين، يبرز واقع معقد تتداخل فيه عوامل البطالة والسياسات غير الفاعلة، ما يضع ملف حقوق العمال في واجهة التحديات التي تتطلب معالجات جدية تعيد تنظيم السوق وتؤمن الحد الأدنى من العدالة المعيشية.

العمل في بيئة هشة

تؤكد الناشطة الحقوقية رؤى خلف، أن محدودية فرص العمل في العراق تدفع العديد من العمال والعاملات إلى القبول بوظائف في بيئات هشة وبشروط قاسية، مشيرة إلى أن غياب البدائل يجعلهم يرضخون لأدنى مستويات الأجور وظروف العمل.

وتوضح خلف لـ"طريق الشعب"، أن هذا الواقع يعكس خللا هيكليا في سوق العمل، حيث يضطر العامل إلى القبول بأبسط الظروف وبأقل الأجور نتيجة انعدام الخيارات، ما ينعكس سلباً على حقوقه واستقراره المعيشي".

وتلفت إلى أن دور النقابات والاتحادات العمالية لا يزال ضعيفاً، بسبب غياب حرية التنظيم النقابي، الأمر الذي حد من قدرتها على الدفاع عن حقوق العمال أو التأثير في السياسات العامة.

نقابات ام مؤسسات حكومية؟

وبحسب خلف، فإن العديد من النقابات القائمة تبدو أقرب إلى المؤسسات الحكومية من كونها ممثلاً حقيقياً للعمال، إذ تفتقر إلى الاستقلالية والصلاحيات الكافية، ما يجعل تأثيرها محدوداً في مواجهة التحديات التي يعاني منها العاملون. كما تشير إلى أن النقابات المستقلة، إن وجدت، تعاني من قيود وضغوط تمنعها من أداء دورها بشكل فعال.

وتنتقد خلف السياسات الحكومية المتعلقة بسوق العمل، واصفة إياها بأنها تفتقر إلى المعايير الواضحة والعادلة، مستشهدة بملف الحد الأدنى للأجور. إذ تم تحديد هذا الحد عند 350 ألف دينار عراقي منذ عام 2017، رغم أن القانون ينص على مراجعته كل عامين من خلال لجنة مختصة تضم ممثلين عن وزارة العمل والنقابات وخبراء اقتصاديين، تأخذ بعين الاعتبار معدلات التضخم وتغيرات السوق.

وتشير إلى أن هذه اللجنة لم تعقد أي اجتماع منذ ذلك الحين، ما أدى إلى بقاء الحد الأدنى للأجور ثابتاً رغم التغيرات الاقتصادية، بل وتحوله عملياً إلى سقف للأجور بدلاً من كونه حداً أدنى، حيث تعتمد عليه العديد من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص كأجر قياسي.

وتلفت خلف إلى أن بعض فئات العمال، حتى ضمن المؤسسات الحكومية، لا تتقاضى هذا الحد الأدنى. فعلى سبيل المثال، يتقاضى عمال النظافة في أمانة بغداد أجوراً يومية تبلغ نحو 10 الاف دينار، ما يعني أن دخلهم الشهري قد لا يتجاوز 260 ألف دينار، وهو أقل من الحد الأدنى المقرر، في ظل غياب تطبيق فعلي للقوانين.

وتخلص خلف إلى أن واقع العمال في العراق يتطلب إصلاحات جذرية، تبدأ بتفعيل دور النقابات، وضمان استقلاليتها، وتحديث السياسات الحكومية بما يواكب المتغيرات الاقتصادية، فضلاً عن تطبيق القوانين المتعلقة بالأجور بشكل عادل، بما يضمن الحد الأدنى من الكرامة المعيشية للعاملين.

مشاكل هيكلية عميقة

من جانبه، أكد علي امير، ناشط عمالي، أن أوضاع العمال في العراق لا تزال معقدة ومليئة بالتحديات، رغم وجود بعض التحسن النسبي في جوانب محدودة، مشيرا إلى أن هذه الشريحة لا تزال تواجه مشاكل هيكلية عميقة، خصوصا في القطاع الخاص والعمالة غير المنظمة.

وقال إن من أبرز التحديات التي يعاني منها العمال تتعلق بتفشي البطالة بين فئة الشباب، في ظل محدودية فرص العمل وضعف القدرة الاستيعابية للتوظيف الحكومي، إلى جانب الانتشار الواسع للعمل غير المنظم، حيث يعمل عدد كبير من العمال دون عقود رسمية أو حماية قانونية تضمن حقوقهم.

وأضاف أن هناك تفاوتا واضحا في مستوى الأجور بين القطاعين العام والخاص، إذ غالبا ما تكون رواتب القطاع الخاص منخفضة ولا تتناسب مع متطلبات المعيشة، فضلا عن ضعف بيئة العمل في العديد من المؤسسات، التي تفتقر إلى شروط السلامة المهنية والمعايير الأساسية لحماية العاملين.

وأشار إلى أن من بين الإشكالات المتكررة أيضًا تأخر صرف الرواتب أو عدم انتظامها في بعض الشركات، ما يفاقم من الأعباء المعيشية على العمال ويزيد من حالة عدم الاستقرار الوظيفي.

وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات جادة لمعالجة هذه التحديات، وفي مقدمتها توسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل جميع العمال، بما يوفر لهم الحماية اللازمة ويؤمن مستقبلهم بعد سنوات الخدمة، إلى جانب تنظيم سوق العمل وتعزيز الرقابة على القطاع الخاص لضمان الالتزام بحقوق العمال.

مخرجات التعليم لا تلائم احتياجات السوق

من جهته، قال الباحث الاقتصادي عبد الله نجم أن معالجة ملف البطالة في العراق تتطلب فهماً دقيقاً لطبيعة الاختلالات في سوق العمل، مشيراً إلى أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بشكل كبير على القطاع العام، في مقابل ضعف واضح في مساهمة القطاعات الإنتاجية في خلق فرص العمل.

واضاف نجم لـ"طريق الشعب"، أن ارتفاع معدلات البطالة يعود إلى فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، إلى جانب محدودية الاستثمارات في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، ما يقلل من قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنوياً.

وتابع أن السياسات الاقتصادية الحالية بحاجة إلى إعادة توجيه نحو تحفيز القطاع الخاص، عبر تحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتقديم حوافز حقيقية للمشاريع التي تولد فرص عمل، لافتاً إلى أن الاعتماد على التوظيف الحكومي لم يعد حلاً مستداماً.

وفي ما يتعلق بالأجور، اكد نجم أهمية ربطها بالإنتاجية ومستويات التضخم، بما يضمن الحفاظ على القدرة الشرائية للأفراد، ويحقق توازناً بين مصلحة العامل وصاحب العمل.

وشدد على أن أي إصلاح اقتصادي فعال يجب أن يكون شاملا، يجمع بين سياسات التشغيل، والتعليم والاستثمار بهدف بناء سوق عمل أكثر استقراراً وقدرة على النمو.