يعود ملف خريجي كليات الإعلام في العراق إلى واجهة النقاش، وسط تزايد أعداد المتخرجين سنوياً مقابل محدودية فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وانخفاض الأجور في المؤسسات الإعلامية.
هذا الأمر يكشف عن فجوة متنامية بين مخرجات التعليم الأكاديمي واحتياجات السوق، في ظل تحولات رقمية غيّرت طبيعة العمل الإعلامي ومعاييره.
ومع ازدياد أعداد الكليات الأهلية التي يضم بعضها أقساما للإعلام، تواصل أعداد خريجي هذا التخصص بالازدياد، في ظل انحسار فرص التعيين، التي غالبا ما يُحظى بها المؤثرون وممن يمتلكون تجربة ومهارة في هذا الميدان. إذ ان الخريجين غالبا ما يحتاجون إلى ورش تأهيل عملية تعدّهم لمزاولة العمل الإعلامي بمهنية عالية، وهذا ما لا تعمل عليه في الغالب المؤسسات التعليمية – وفقا لمتابعين واختصاصيين، يرون أيضا أن النسبة الأكبر من خريجي الإعلام غير مؤهلين للعمل الإعلامي، لأسباب متعددة، أبرزها وجود خلل في المناهج الدراسية، والتنظير الذي لا يصاحبه جانب عملي، فضلا عن عدم وجود مبادرات لاستيعاب هؤلاء.
ويتجه اليوم عدد ليس بالقليل من خريجي كليات الإعلام، الى مجالات عمل أخرى، سواء اضطرارا أم برغبة شخصية، وهو ما يضعهم أمام هجرة الصحافة والكتابة بعد نفاد فرص التعيين في الجهات الحكومية التي يمكن أن تستوعبهم مثل المكاتب الإعلامية في الوزارات والمؤسسات.
محدودية الفرص في القطاع الخاص
يقول الأكاديمي المتخصص في مجال الإعلام، د. حيدر شلال، أن خريجي هذا التخصص يواجهون تحديات متزايدة في سوق العمل، مبينا في حديث صحفي أن "محدودية الفرص المتاحة داخل القطاع الخاص، إلى جانب ضعف معدلات التوظيف مقارنةً بأعداد الخريجين المتزايدة سنويا، يمثلان أبرز الإشكالات".ويضيف قوله أن "انخفاض الأجور في كثير من المؤسسات الإعلامية لا يتناسب مع المهارات والمعرفة التي يمتلكها هؤلاء الخريجون"، مشيراً إلى أن "هذه المؤشرات تعكس خللا هيكليا في العلاقة بين التعليم وسوق العمل". وينوّه شلال إلى أن "هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين مخرجات التعليم الإعلامي واحتياجات السوق، ما يستدعي إعادة النظر في البرامج الأكاديمية، وتعزيز التدريب العملي، وفتح آفاق أوسع للتشغيل".
التعيين مرهون بالموازنة
في المقابل، ترتبط فرص التعيين في القطاع العام بعوامل مالية وتشريعية. إذ يقول المتحدث الرسمي لمجلس الخدمة العامة الاتحادي، د. فاضل الغراوي، أن "خريجي كليات الإعلام من الأوائل وحملة الشهادات العليا مشمولون بالتعيين استنادا إلى أحكام قانون الموازنة الثلاثية، التي أولت هذه الشريحة أولوية واضحة ضمن سياسات التوظيف الحكومية".
ويشير في حديث صحفي إلى أن "خريجي كليات الإعلام من حملة شهادة البكالوريوس غير المشمولين حالياً، يمكن أن تتاح لهم فرص التعيين المركزي مستقبلاً، في حال تضمّنت موازنة عام 2026 نصوصًا صريحة تتيح تعيين هذه الفئة ضمن خطط الدولة للتشغيل". ويؤكد الغراوي أن "مجلس الخدمة العامة الاتحادي حريص على استيعاب مختلف شرائح الخريجين، إلا أن تحقيق ذلك يرتبط بشكل أساسي بالتخطيط الحكومي ووجود تخصيصات مالية ونصوص قانونية واضحة".
الفرص للكوادر القديمة
لا يزال سوق العمل الإعلامي غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين - حسب ما يؤكده عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين هادي جلو. إذ يقول أن أغلب الخريجين يتجهون إلى العمل في قطاعات أخرى بسبب قلة الفرص على مستوى القطاع الخاص. ويوضح في حديث صحفي، أن "هناك أكثر من 70 قناة و60 إذاعة وعشرات الوكالات، لكنها محدودة وتعتمد على كوادر قديمة وذات مهارة"، مضيفا القول أن "المؤسسات الإعلامية تفضل الكوادر المتمكنة على حساب الخريجين الجدد الذين يفتقرون للخبرة العملية".
تحديث المناهج التعليمية
من جانبها، ترى رئيسة "مركز النخيل" للحقوق والحريات الصحفية، زينب ربيع، أن "المشكلة تتجاوز قلة الوظائف. فالواقع أن مخرجات التعليم لا تتلاءم مع سوق العمل، وهذا لا يقتصر على الإعلام بل يشمل معظم الاختصاصات".
وتبيّن في حديث صحفي أن "المؤسسات الإعلامية تبحث عن كفاءات وأيادي عمل ماهرة، حالها حال أي مؤسسة ربحية"، مشددة على ضرورة تحديث المناهج التعليمية وإيلاء أهمية كبيرة للجانب العملي والتعاون مع القنوات ووكالات الإعلام لغرض التدريب والتشغيل.
"الفاشنيستا" تتربع على عرش الإعلام!
في سياق متصل، تعكس تجارب خريجي الإعلام واقعاً أكثر تعقيداً. إذ تقول أديان عماد، وهي خريجة كلية الإعلام في جامعة بغداد – قسم الإذاعة والتلفزيون، أنه "بعد أن تصدرت الفاشنيستات وسائل التواصل، باتت القنوات تستدعيهن للعمل كمقدمات برامج أو مراسلات".
وتضيف في حديث صحفي أن "القنوات الحكومية مكتفية بالكوادر القديمة بدون تجديد. فأنا رغم تخرجي بمعدل جيد وخضوعي لدورات تدريبية، ما زلت مرفوضة داخل الوسط الإعلامي، بينما تزاول مهنتي فاشنيستا بلا شهادة أو خبرة"!
هذا التحول يعكس تغيرا في أولويات بعض المؤسسات الإعلامية، التي باتت تراهن على التأثير الرقمي وعدد المتابعين أكثر من الكفاءة المهنية. ويرى اختصاصيون أن جوهر الأزمة لا يقتصر على التوظيف، بل يمتد إلى غياب استراتيجية واضحة لربط التعليم بسوق العمل، وإلى ضعف الاستثمار في التدريب العملي، فضلا عن التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل الصناعة الإعلامية. كما أن استمرار الاعتماد على كوادر قديمة، مقابل ضعف برامج التأهيل للخريجين، يزيد من تعقيد المشهد، في وقت تتزايد فيه المنافسة وتتنوع المهارات المطلوبة. ويبقى التحدي الأبرز أمام الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلامية هو القدرة على صياغة نموذج يوازن بين جودة التعليم ومتطلبات السوق، في ظل عالم إعلامي يتغير بوتيرة متسارعة.