اخر الاخبار

في مشهد مزمن يعكس عمق الأزمة البيئية في العراق، عاد ملف تلوث نهري دجلة والفرات إلى واجهة النقاش، إثر أرقام صادمة وتحذيرات كشفت عن تصريف ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي في النهرين يومياً، وهو ما عُدَّ خطراً يُهدد بحدوث أزمات صحية، في ظل غياب المعالجات ووسط واقع صحي متردٍ هو الآخر.

وخلال جلسة البرلمان التي عُقدت الخميس الماضي، كشفت لجنة برلمانية شُكلت حديثاً لمتابعة الملف، عن مؤشرات خطيرة لحجم التدهور الذي يهدد المصدرين المائيين الأهم في البلاد.

وقال عضو اللجنة غيث رعد، خلال الجلسة، انه "يصبّ يومياً 8.5 ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي مباشرة في نهري دجلة والفرات، وهو ما يعد أمراً خطيراً للغاية، فضلاً عن مخلفات المدن الصناعية، ومستودعات النفط، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية التي تصبّ في هذين النهرين".

إجراءات شكلية!

رغم تشكيل اللجنة البرلمانية، يرى اختصاصيون أن هذه الخطوة تندرج ضمن "الإجراءات الشكلية" التي لم تعد كافية لمعالجة أزمة متراكمة منذ سنوات.

يقول الخبير البيئي هيثم الربيعي، أن "استمرار الوضع الحالي سيقود إلى انهيار بيئي وصحي واسع النطاق"، معتبراً في حديث صحفي، أن "تشكيل اللجان لم يعد حلاً، بل أصبح جزءاً من المشكلة، بسبب غياب التنفيذ الفعلي للتوصيات".

ويشدد على أن "أزمة التلوث تتفاقم بصمت وسط غياب المعالجات".

وتتجاوز المشكلة - وفق مراقبين - مسألة كميات مياه الصرف الصحي، لتشمل تعدد مصادر التلوث، من مخلفات صناعية وتسربات نفطية ونفايات محطات الطاقة.

ويشير الربيعي إلى أن "مياه الصرف الصحي ليست سوى جزء من الأزمة. إذ يسجل أيضاً تصريف مباشر لمخلفات المدن الصناعية وغيرها".

مستوى التلوّث مرتفع جدا

من جهته يؤكد عضو "المرصد العراقي الأخضر" المعني بالشؤون البيئية، عمر عبد اللطيف، أن "مستوى تلوث مياه نهري دجلة والفرات مرتفع جداً، وأن جزءاً من ذلك يعود إلى انخفاض منسوب المياه خلال السنوات القليلة الماضية، بينما يرتبط جزء آخر بنهر دجلة والجداول التي تصبّ فيه".

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "التلوث يزداد كلما اتجهنا جنوباً، ليبلغ ذروته في البصرة"، مشيرا إلى أن "محافظة واسط شهدت نفوق كميات كبيرة من الأسماك نتيجة التلوث، في مؤشر واضح على اختلال النظام البيئي".

تداعيات صحية واجتماعية

لا تقف آثار التلوث عند حدود البيئة، بل تمتد إلى الصحة العامة والأمن الغذائي. إذ يحذر اختصاصيون من أن استخدام هذه المياه في محطات الإسالة أو حتى في الزراعية يعرّض ملايين العراقيين لمخاطر صحية، من بينها أمراض معوية وجلدية وتسممات.

يقول الطبيب المتخصص في الصحة العامة محمد العزاوي، أن "المشكلة الحقيقية تكمن في أن المواطن قد لا يدرك أنه يستهلك مياهاً ملوثة بشكل غير مباشر، سواء عبر الخضراوات أم مياه الشرب"، مضيفاً في حديث صحفي أن "ارتفاع نسب الأمراض المرتبطة بالمياه في بعض المناطق ليس أمراً عشوائياً".

وتعود أزمة التلوث إلى غياب البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي في البلاد. إذ ان معظم المدن بلا محطات معالجة فعالة، ما يدفعها إلى تصريف المياه مباشرة في الأنهار. يضاف إلى ذلك ضعف الرقابة على المنشآت الصناعية، وغياب التشريعات الرادعة أو عدم تطبيقها. كذلك تلعب العوامل الإقليمية دوراً في تعقيد المشهد، مع تراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع، ما يؤدي إلى انخفاض مناسيب المياه وزيادة تركيز الملوثات.

مطالبات بوضع خطة طوارئ

في ظل هذه المعطيات، تتصاعد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات فورية بدلاً من الاكتفاء باللجان والتوصيات. ويطالب اختصاصيون بوضع خطة طوارئ تشمل إنشاء معالجة حديثة، ومنع التصريف المباشر للمياه الملوثة، وتشديد الرقابة على الأنشطة الصناعية.

وفي هذا السياق، يدعو الخبير في إدارة الموارد المائية، عزيز العوادي، إلى "إشراك المجتمع الدولي، عبر برامج دعم فني وتمويلي، لمعالجة الأزمة الخطيرة"، مبينا في حديث صحفي أن "المعالجة ممكنة، لكنها تحتاج إلى إرادة حكومية واستثمار حقيقي، وليس مجرد وعود".

ويحذّر من أن "الوقت لم يعد في مصلحة العراق إن لم تبدأ المعالجات".

ملف تلوث المياه في العراق ليس جديداً. فقد شهدت السنوات الماضية موجات متكررة من التلوث، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، حيث سجلت حالات تسمم جماعي واحتجاجات شعبية بسبب تردي نوعية المياه، ومع ذلك، لم تترجم التحذيرات إلى حلول مستدامة. ومع استمرار ضخ ملايين الأمتار المكعبة من الملوثات يومياً في دجلة والفرات، يبدو أن العراق يواجه اختباراً حقيقياً في إدارة الأزمة وإمكانية تذليلها بقرارات حاسمة، قبل أن تتحول إلى كارثة لا يمكن احتواؤها!