يُبدي عديد من المواطنين والناشطين في العراق امتعاضهم من تقاعس الحكومة عن كبح ظاهرة الاستيلاء على الأراضي والممتلكات الخاصة، ومن غياب أية حماية قانونية تحدّ من سلطة الجهات النافذة التي تدعم المتجاوزين.
وخلال الشهور الأخيرة، تصاعدت شكاوى سكان مناطق وقرى قديمة في البلاد، من محاولات استيلاء تقودها جهات نافذة، تستخدم المال والسلطة والسلاح لفرض وقائع جديدة على الأرض، مهددةً بإزالة مناطق مأهولة منذ أكثر من نصف قرن، وتحويلها إلى مشاريع ربحية خاصة، وسط غياب تحرك حكومي فاعل، وانتقادات واسعة لما يصفه ناشطون بـ"تغوّل النفوذ على حق الناس في الأرض".
ولم يعد ظهور مالكين جُدد لأراضٍ زراعية يقتصر على منطقة أو محافظة دون سواها، بل امتد خلال الأعوام الأخيرة إلى بغداد وديالى وصلاح الدين وكركوك والموصل، في مشهدٍ متكرّرٍ ومقلق. حيث يُفاجأ الأهالي بإشعارات أو دعاوى أو تحركات ميدانية تدّعي مُلكية الأرض التي يقيمون عليها منذ عقود، غالباً بوثائق حديثة أو قرارات مثيرة للجدل – وفقا لناشطين.
وبحسب العديد من سكان تلك المناطق، فإنّ معظم الجهات التي تدّعي المُلكية هي شخصيات نافذة في الدولة، أو مرتبطة بأحزاب سياسية، ما يجعل أي اعتراض شعبي محفوفاً بالمخاطر، ويحوّل النزاع إلى معركة غير متكافئة بين سكان عزّل ونفوذ مركّب.
ويؤكد متابعون لهذه القضية، ان المناطق المستهدفة ليست تجمعات عشوائية حديثة، بل مناطق مستقرة منذ عقود من الزمن، تضمّ منازل وبساتين ومدارس، وتاريخاً اجتماعياً متراكما، لافتين في أحاديث صحفية إلى ان محاولات السيطرة لا تقتصر على سحب الأرض، بل تهدف أيضا إلى تفريغ المناطق من سكانها، ثم تقطيع الأراضي وبيعها قطعاً سكنية بأسعار مرتفعة.
احتجاجات شعبية
قبل فترة قصيرة، نظّم عشرات الأهالي في منطقة المعامل عند أطراف بغداد، وقفات احتجاجية ضد ما وصفوه بـ"عمليات تهجير واستيلاء على الأراضي"، وسط مطالبات بوضع حد للفساد ومحاسبة المتورّطين.
واتهم المحتجون جهات نافذة ودوائر في الدولة بأنها "تستخدم القانون من أجل ليّ الأذرع، وتهديد الأهالي بالاستيلاء على منازلهم وأراضيهم"، مؤكدين أن "المنطقة مستباحة من قبل الفاسدين".
وسبق أن نظّم عشرات الأهالي في قرى بمحافظة كركوك وقفة احتجاجية ضد مصادرة أراضيهم من قبل جهات مختلفة، قالوا إنّها "تستغل مناصب حكومية في سبيل نزع أراضيهم". وقبل نحو شهرين، برزت قضية قرية دوخلة في محافظة ديالى بوصفها نموذجاً حيّاً لما يصفه الأهالي بـ"خطر الإزالة القسرية". حيث نظّم حينها عشرات السكان وقفات احتجاجية اعتراضاً على تحركات من جهات تدّعي مُلكيتها لأراضي القرية، وتسعى لإزالة أكثر من 60 منزلاً. وأفاد المحتجون بأنّهم يسكنون في القرية منذ أكثر من 50 عاماً، من دون أن يواجهوا أي نزاع سابق، مشيرين إلى أن ظهور المطالبات الحالية يثير الشكوك حول دوافعها وتوقيتها.
وفي نيسان العام الماضي، تظاهر العشرات من أهالي قرية جديدة الأغوات، إحدى أقدم القرى في محافظة ديالى، ضد محاولات الاستيلاء على أراضيهم من قبل جهات وصفوها بـ"النافذة".
ووقتها ذكر عضو تنسيقية التظاهرات محمد أحمد حسن، في حديث صحفي، أن المتظاهرين طالبوا بالتصدي لقوى وجهات متنفذة تحاول الاستيلاء على أراضيهم الزراعية التي يمتلكونها منذ عشرات السنين.
وأوضح أن "الجهات المتنفذة تعتمد أساليب التزوير والتلاعب بالقوانين من أجل الاستيلاء على أراضي الفلاحين، وسط صمت من بعض الجهات المعنية".
وتشهد بعض مناطق ديالى منذ سنوات مشكلات متكررة تتعلق بملكية الأراضي الزراعية، وسط اتهامات موجهة إلى جهات نافذة بمحاولات السيطرة على تلك الأراضي عبر أساليب تشمل التزوير واستغلال النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
المال والسلاح بدل القانون
على الرغم من وجود مسارات قانونية في بعض قضايا الأراضي، إلا أن ناشطين ومحامين يؤكدون أن المشكلة الأساسية تكمن في كون الأطراف التي تدعي امتلاكها الأراضي، تمتلك المال والنفوذ والعلاقات السياسية، وأحيانا السلاح، ما يمنحها قدرةً على ترجيح الكفّة لصالحها، أو على الأقل دفع الأهالي للاستسلام قبل صدور أي حكم.
وفي هذا الشأن، يقول المحامي علي الرفيعي، أن "كثيرين من السكان لا يملكون القدرة على الاستمرار في النزاع، بسبب التهديد أو الخوف أو العجز المالي"، مضيفاً في حديث صحفي أن "بعض القضايا تنتهي بسيطرة المدّعين على الأراضي قبل الفصل القضائي، بسبب ضغوط غير قانونية".
لا صدى رسميا للاحتجاجات
لم تنجح الاحتجاجات الشعبية المتكررة، سواء في بغداد أم ديالى أم كركوك أم غيرها، في إحداث فرقٍ يُذكر. ويرى ناشطون أن الحكومة لم تُبدِ حتى الآن تحركاً واضحاً أو سياسة مُعلنة لمعالجة هذه الظاهرة، ما فتح الباب أمام انتقاداتٍ حادّة تتّهم السلطات بالتقاعس أو الرضوخ لسلطة النافذين.
ويؤكد الناشط المدني من محافظة ديالى علي الشمري، أنّ "غياب الموقف الحكومي شجّع على تكرار هذه الحالات"، محذّراً في حديث صحفي من أن "استمرار الصمت الحكومي قد يؤدي إلى تفكك مجتمعات كاملة، وزيادة الاحتقان الاجتماعي، وربما يتسبّب في صدامات محلية".
مخاطر متعددة
لا تقتصر خطورة هذه القضية على فقدان الأرض أو المنزل، بل تمتد إلى تهديد الاستقرار المجتمعي، وتدمير نمط الحياة، وخلق شعور عميق بالظلم وفقدان الثقة في الدولة. كما أن تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية بشكل غير منظّم يفاقم مشكلات التخطيط والبنى التحتية.
ويرى اختصاصيون أن ما يجري يعكس خللاً بنيوياً في إدارة ملف الأراضي، ويكرّس غياب أيّ حماية حقيقية للشرائح الأضعف في البلاد أمام سطوة النفوذ، في وقت يُفترض فيه أن تكون الدولة ضامنةً للحقوق، لا متفرّجة وشاهدة على انتهاكها.
ووسط هذه التجاوزات المدعومة، تبقى مناطق وقرى عديدة في العراق معلّقة عند حافة الإزالة، فيما يشكو المتضرّرون من ضعف قدرتهم على مواجهة الجهات النافذة لما تتمتع به من سلطة ومال وسلاح.