اخر الاخبار

يواجه التراث الأثري في الموصل تحديات كبيرة بعد سنوات من الدمار والإهمال، لكن جهودا شبابية ومجتمعية بدأت تمنح بعض المواقع حياة جديدة. من البيوت القديمة التي تحولت إلى متاحف، إلى الأسواق والجوامع التي استعادت بعض رونقها التراثي، يبرز الاهتمام الشعبي بالآثار كعامل مهم للحفاظ على الهوية الثقافية للمدينة، في وقت لا يزال فيه الدور الحكومي محدوداً وغير كاف لضمان استدامة هذه الجهود.

آثار خارج الضوء والاهتمام

لا يمكن لبلد يعد مهد الحضارات أن يكتفي بترميم أطلاله"، بهذه العبارة يلخص الناشط الاثاري بندر العكيدي رؤيته لواقع الآثار في العراق، قبل أن يعود ليؤكد أن ما تحقق خلال العقدين الماضيين لم ينبع من سياسة وطنية واضحة بقدر ما ارتبط بدعم دولي سد فراغاً حكومياً ظل قائماً.

من وجهة نظره، المشكلة لا تبدأ من نقص الاكتشافات، بل من غياب الرؤية التي تحول الاكتشاف إلى قيمة مستدامة. فإحياء الآثار، كما يقول، لا ينبغي أن يتوقف عند إزالة الركام أو إعادة بناء جدار مهدم، بل يجب أن يمتد ليمنح الموقع حياة جديدة، وظيفة ثقافية واقتصادية تحافظ على رمزيته وتربطه بحياة الناس اليومية.

ويستعيد العكيدي خلال حديثه لـ"طريق الشعب"، صورة مواقع حظيت بترميم واسع، مثل جامع النوري في الموصل ومدينة نمرود الأثرية، ليشير إلى أن الاهتمام بها ارتبط بطبيعة التمويل المتاح أكثر مما ارتبط بأولويات وطنية شاملة. فبينما أُنجزت مشاريع كبيرة في هذه المواقع، بقيت مواقع أخرى خارج دائرة الضوء، وكأن خارطة الآثار ترسم أحياناً وفق اتجاهات الدعم لا وفق خطة عراقية متكاملة.

وعند الحديث عن السياحة الثقافية، يتقدّم البعد الاقتصادي في وصفه للمشهد. فالسائح، كما يوضح، لا يأتي لالتقاط صورة فحسب، بل ينفق في النقل والإقامة والطعام والأسواق المحلية، ما يخلق دورة مالية يمكن أن تنعكس على أبناء المناطق الأثرية مباشرة. غير أن هذه الإمكانات، بحسب وصفه، تتبدد بسبب غياب البنى التحتية والخدمات الأساسية.

يضرب مثالاً بمدينة الحضر الأثرية، حيث يضطر الزائر إلى قطع مسافة لشراء تذكرة الدخول بعيداً عن الموقع نفسه، في تجربة تختزل، كما يقول، الفجوة بين القيمة التاريخية للمكان ومستوى التنظيم والخدمات المتاحة. وبهذا تتحول الزيارة إلى تجربة عابرة، "مرة واحدة ثم تُنسى"، على حد تعبيره.

خلل في إدارة ملف الصيانة

ولا يقتصر توصيفه على المواقع المفتوحة، بل يمتد إلى مؤسسات متحفية ما تزال تعاني ضعف الصيانة وقلة التحديث، رغم رمزيتها الثقافية. ويرى أن هذا الواقع يعكس خللاً في إدارة الملف، حيث يتكرر الحديث عن أهمية التراث من دون أن يقترن بخطط تنفيذية واضحة ومستدامة.

وفي ما يتعلق بإشراك الشباب، يصف المشاركة بأنها غالباً شكلية، إذ يُستدعى بعض الناشطين لإكمال الصورة من دون تمكين فعلي في اتخاذ القرار.

ويشير إلى أن مقترحات عدة طُرحت من خبرات محلية لم تجد طريقها إلى التطبيق، ما أضعف الشعور بالمسؤولية المجتمعية تجاه حماية الآثار.

ويعود العكيدي في ختام حديثه إلى الفكرة الأولى: أن العراق بحاجة إلى انتقال من منطق الترميم الجزئي إلى رؤية وطنية شاملة، تجعل من الإرث الحضاري ركيزة تنموية حقيقية، لا مجرد شاهد صامت على الماضي.

حراك مجتمعي لإحياء التراث

من جانبه، يقول الأكاديمي في قسم الآثار، حارث الطائي، أن المشهد لا يمكن اختزاله في زاوية الإهمال فقط، فبرغم التحديات الإدارية والمالية، هناك حراك مجتمعي واضح تقوده فئة الشباب.

ويبين الطائي لـ"طريق الشعب"، أن الاهتمام بالتراث في المدينة لم يتراجع، بل أخذ أشكالاً جديدة بعيداً عن الأطر الحكومية التقليدية، مشيراً إلى أن عدداً من البيوت الموصلية القديمة جرى ترميمها وتحويلها إلى متاحف صغيرة أو فضاءات ثقافية خاصة، تعكس تاريخ المدينة وحرفها وذاكرتها الاجتماعية.

ويضيف أن بعض الأسواق والمطاعم اتجهت إلى استعادة الطابع المعماري والتراثي، سواء من خلال الحفاظ على الواجهات القديمة أو توظيف العناصر الشعبية في التصميم الداخلي، ما أضفى على المكان هوية موصلية واضحة، وجعل التراث جزءاً من الحياة اليومية لا مجرد موقع يُزار في المناسبات.

ويرى أحمد علي أن هذه المبادرات، وإن كانت فردية أو محدودة الإمكانات، تعكس وعياً متزايداً لدى الشباب بأهمية حماية إرثهم الحضاري، مؤكداً أن الحفاظ على الآثار لا يقتصر على التنقيب أو الترميم الرسمي، بل يشمل أيضاً صون الذاكرة العمرانية والهوية الثقافية للمدينة.

وفي الوقت ذاته، يشدد على أن هذا الجهد المجتمعي لا يمكن أن يبقى بديلاً دائماً عن الدور الحكومي، بل يجب أن يكون مكملاً له. ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تحركاً حكومياً جاداً لوضع خطة استراتيجية واضحة لدعم المبادرات المحلية، وتوفير بنى تحتية ملائمة، وتسهيل الإجراءات أمام المشاريع الثقافية والتراثية.

ويختم بالقول إن الشباب في الموصل أثبتوا أن لديهم الرغبة والطاقة للحفاظ على مدينتهم، لكن استدامة هذا الحراك مرهونة بوجود شراكة حقيقية مع الدولة، تترجم الاهتمام الشعبي إلى سياسة عامة قادرة على حماية الإرث الحضاري وتحويله إلى قوة تنموية مستمرة.

تدمير 360 معلماً

وفي عام 2024، كشف مفتش آثار وتراث نينوى، رويد موفق الحيالي، أن نسبة الدمار التي لحقت بمدينة الموصل القديمة عقب سيطرة تنظيم داعش بلغت نحو 80 في المائة، في واحدة من أشد الضربات التي طالت النسيج العمراني والتراثي للمدينة.

وأشار إلى أن أعمال التأهيل انطلقت في عدد من المواقع التراثية المهمة، حيث جرى الشروع بإعادة إعمار كنائس وجوامع وبيوت تراثية بارزة، تمثل رموزاً للتنوع والتلاحم الاجتماعي في محافظة نينوى، في محاولة لاستعادة ملامح المدينة التاريخية وهويتها الثقافية.

ووفق بيانات مفتشية الآثار والوقف السني في نينوى، فقد دُمّر نحو 360 معلماً تاريخياً ودينياً وأثرياً، فيما تعرضت مئات المواقع الأثرية للنبش والتخريب من أصل 1600 موقع غير مستظهر، جرى نهب محتوياتها أو العبث بها.

كما طالت الاعتداءات متحف الموصل الحضاري، إذ سُرقت قرابة ألف قطعة أثرية، ودُمّر عدد من القطع التي تعذر نقلها، ما شكل خسارة فادحة للذاكرة التاريخية والتراثية للمدينة والعراق عموماً.

اقتصاد الاثار!

وفي شأن اقتصادي مرتبط بالتراث، يرى الباحث الاقتصادي سامر فاضل، أن قطاع الآثار يمكن أن يصبح رافعة تنموية حقيقية، لا سيما في مدينة الموصل التي تحمل إرثاً حضارياً غنياً.

ويؤكد فاضل في حديث لـ"طريق الشعب" أن استثمار المواقع الأثرية لا يقتصر على جذب السياح الأجانب فقط، بل يمتد ليحفز الاقتصاد المحلي عبر تنشيط الأسواق والمطاعم والفنادق والحرف التقليدية.

ويشير فاضل إلى أن "السياحة الثقافية، عندما تصاحبها خطة حكومية واضحة وبنى تحتية مناسبة، يمكن أن تولد دورة اقتصادية مستدامة، توفر فرص عمل للشباب، وتساهم في إعادة تنشيط المدينة بعد سنوات من الدمار والنزاع".

ويضيف أن اقتصاد الآثار يشمل تحويل المواقع التاريخية إلى محاور حقيقية للنشاط الاجتماعي والثقافي، ما يمنح السكان المحليين دوراً فاعلاً ويخلق توازناً بين الحفاظ على التراث وتحقيق المنفعة الاقتصادية، مؤكداً أن الموصل لديها كل المقومات لتصبح نموذجاً حياً في هذا المجال إذا ما توافرت الرؤية والتنفيذ الجاد.