يواصل آلاف العاملين بنظام الأجور اليومية في مؤسسات الدولة أداء مهام شاقة وخطرة، وسط غياب واضح لإجراءات السلامة المهنية وانعدام الضمانات القانونية التي تكفل لهم ولعائلاتهم حياة كريمة في حال الإصابة أو الوفاة. ويترقب هؤلاء أي قرار حكومي ينصفهم، سواء عبر تحويلهم إلى عقود أو تثبيتهم على الملاك الدائم، بما يضمن لهم حقوقا تقاعدية وتأمينا اجتماعيا أسوة ببقية الموظفين.
وخلال الأيام الماضية، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خبر وفاة عدد من عمال التنظيف، وهم من فئة الأجور اليومية، نتيجة الاختناق والغرق أثناء تأدية عملهم في منظومة الصرف الصحي (المجاري). وأعادت الحادثة إلى الواجهة واقع هذه الشريحة التي تعمل في بيئات عالية الخطورة، من دون تجهيزات وقائية كافية أو تأمين صحي، في ظل تجاهل رسمي مستمر لمعالجة أوضاعهم.
إصابات بلا تعويض
ويشكل عمال النظافة والغطاسون، إلى جانب عمال الكهرباء والخدمات البلدية، جزءاً من قوة عمل تعتمد عليها المؤسسات الحكومية في إنجاز مهامها اليومية. إلا أن كثيرين منهم تعرضوا لإصابات جسيمة تسببت بإعاقات دائمة، أنهت قدرتهم على العمل من دون أن يحصلوا على تعويض عادل أو راتب تقاعدي.
يقول المواطن حسين الكعبي، وهو عامل سابق في إحدى دوائر صيانة كهرباء بغداد، إنه فقد اصابع يده اليمنى إثر صعقة كهربائية تعرض لها قبل عامين أثناء عمله. ويضيف لـ "طريق الشعب": "كنا نعمل من دون تجهيزات حماية حقيقية. في يوم الحادث لم يقطع التيار الكهربائي بشكل كامل على الرغم من أنهم نادوا بقطع التيار الكهربائي، بعد إصابتي تم الاستغناء عني بكل بساطة".
ويشير الكعبي إلى أن عمله استمر تسعة أشهر فقط قبل الحادث، من دون أن يحصل على أي عقد رسمي أو شمول بالضمان الاجتماعي. ويؤكد أن الأجور الأسبوعية المتواضعة التي كان يتقاضاها لم تكن تكفي لتأمين احتياجات أسرته، فكيف الحال بعد فقدانه مصدر رزقه الوحيد؟
مخالفة للقانون
من جهتها، توضح المحامية سماح الطائي أن قانون العمل النافذ ينص على تحويل العامل من نظام الأجر اليومي إلى عقد بعد مضي مدة من العمل، تمهيدا لتثبيته على الملاك الدائم، إلا أن هذا النص لا يطبق في كثير من المؤسسات. وتضيف في حديث مع "طريق الشعب": "ما يجري هو تحايل واضح على القانون. يتم إبقاء العاملين لسنوات بنظام الأجور اليومية لتفادي الالتزامات القانونية، سواء فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي أو الحقوق التقاعدية". مؤكدة على أن ضعف الرقابة الحكومية أسهم في تكريس هذه المخالفات، ما يتطلب تفعيل أدوات المساءلة ومحاسبة الجهات المقصرة. وتؤكد الطائي أهمية تعزيز دور التنظيمات النقابية في الدفاع عن هذه الفئة، ومنحها مساحة أوسع لمراقبة تنفيذ القوانين في القطاعين العام والخاص، بما يضمن حماية العاملين من الاستغلال.
الضمان الاجتماعي .. حق مهمل
بدوره، يشير الخبير القانوني قاسم محمود إلى أن مشروع قانون التقاعد والضمان الاجتماعي يتضمن مواد تكفل شمول مختلف فئات العاملين، بمن فيهم العاملون في المشاريع الصغيرة والأعمال الفردية. إلا أن ضعف الوعي القانوني لدى شريحة واسعة من العاملين، إلى جانب غياب الحملات التثقيفية، حال دون استفادتهم من هذه التشريعات.
ويقول محمود إن "الكثير من العاملين لا يدركون أن بإمكانهم التسجيل في الضمان الاجتماعي عبر المنصة الإلكترونية لوزارة العمل، من دون الحاجة إلى مراجعات معقدة". ويشدد على ضرورة إطلاق حملات توعية في مواقع العمل لتعريف العاملين بحقوقهم وآليات الشمول، خاصة أن الضمان الاجتماعي يشكل صمام أمان عند الإصابة أو بلوغ سن التقاعد.
مطلب العدالة الاجتماعية
إن استمرار الاعتماد على نظام الأجور اليومية من دون أفق واضح للتثبيت، يضع آلاف الأسر أمام مستقبل مجهول. فالعامل الذي يغامر بحياته في شبكات المجاري أو على أعمدة الكهرباء، لا يطالب سوى بحقوق أساسية: أجر عادل، بيئة عمل آمنة، وضمان يحميه عند العجز أو الشيخوخة.
أن معالجة هذا الملف قضية لا تحتمل التأجيل، بل تتطلب إرادة سياسية جادة تنحاز إلى الطبقة العاملة وتكرس مبدأ العدالة الاجتماعية الذي نص عليه الدستور. فحماية قوة العمل ليست منّة، بل التزام قانوني وأخلاقي يفرضه واجب الحكومة تجاه مواطنيها.
ويبقى الأمل معقودا على تحرك حكومي وتشريعي ينهي حالة الهشاشة التي يعيشها العاملون بالأجور اليومية، ويضع حدا لمعاناة تتجدد مع كل حادث عمل جديد.