اخر الاخبار

في العراق لم يعد المرض يُقاس بشدته، إنما بقدرة المصاب على تحمّل كلفة العلاج لدى العيادات والمستشفيات الأهلية، في ظل إهمال القطاع الصحي الحكومي وتراجع خدماته بشكل كبير.

ويتجنب المريض الفقير وذو الدخل المحدود، غالبا، مراجعة العيادات والمختبرات الخاصة، تجنبا لما سيترتب عليه من تكاليف مالية يعجز عن تأمينها، الأمر الذي يضطره إلى الاستعانة بالمضمدين والعاملين في الصيدليات، وبينهم أناس غير مرخّصين ومن غير ذوي الاختصاص، وبالتالي قد يتعرّض إلى مضاعفات صحية فيما إذا تلقى علاجا دون تشخيص دقيق.

ومنذ سنوات، وفي ظل تراجع القطاع الصحي الحكومي، أصبح التوجه إلى المضمدين ظاهرة مستشرية لم تعد تقتصر على الحالات المرضية البسيطة. إذ امتدت إلى الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري. حيث يشتري المرضى أدوية استنادا إلى نصائح غير طبية، أو يتلقون حقنا وعلاجات دون تشخيص دقيق، وفي بعض الحالات قد يكون المستشار الصحي لهؤلاء المرضى الفقراء مضمّداً فتح عيادة غير مرخصة، أو صيدلانياً، أو من ينوب عنه في بيع الأدوية، ما قد يتسبب في مضاعفات يصعب تداركها.

ويفرض بعض الأطباء على المرضى إجراء فحوصا غير ضرورية، الهدف منها منفعة أصحاب المختبرات وعيادات الأشعة والسونار وما إلى ذلك، ممن يتعامل معهم، وليس لدواع تشخيصية، الأمر الذي يحمّل المريض تكاليف أكبر، وبالتالي يجعله يتجنب مراجعة الطبيب، ليتوجه في النهاية إلى أناس من غير ذوي الاختصاص.

مراجعة الطبيب تُكلّف 50 ألف دينار!

في حديث صحفي، تقول أم أحمد، وهي ربة منزل تسكن في بغداد: "توقف زوجي المصاب بمرض مزمن عن مراجعة الطبيب منذ شهور، لأن كلفة هذه المراجعة تتجاوز 50 ألف دينار، عدا تكاليف الأدوية والتحاليل المطلوبة"، مضيفة القول: "نحن بالكاد نؤمّن قوت يومنا، فكيف نستطيع الاستمرار في مراجعة الأطباء؟!".

وتوضح أنه "من هنا بتنا نعتمد على صيدلي قرب منزلنا يصف أدوية مجربة أو يغيّر العلاج بحسب توفره وسعره. ويحصل ذلك من دون إجراء فحوصات أو متابعة طبية، وهذا الخيار لا نتخذه عن قناعة، إنما نضطر إليه في ظل الظروف المعيشية القاسية السائدة".

وتؤكد عائلات فقيرة كثيرة أن أسعار الأدوية والتحاليل المختبرية ورسوم استشارة الأطباء في العيادات الخاصة تجعل كلفة الرعاية الصحية تفوق قدراتها غالباً، في حين تعاني المستشفيات الحكومية اكتظاظا وضعفا في الخدمات ونقص الكثير من الأدوية والأجهزة الطبية الحديثة.

الصيدلاني لا يُغني عن الطبيب

يؤكد اختصاصيون أن الصيدليات، رغم أهميتها، لا يمكنها أن تكون بديلاً عن الأطباء، لأن دورها ينحصر في صرف الأدوية استناداً إلى وصفات طبية، وليس تشخيص المرض أو تعديل الجرعات.

ويستدركون "لكن وقائع تكشف تحوّل بعض الصيدليات إلى ما يشبه عيادات صغيرة يراجعها مرضى لطلب التشخيص والعلاج"، محذرين من أن "هذا السلوك يوفر حلاً سريعاً، لكنه قد يؤدي إلى الاستخدام الخاطئ للأدوية، وتفاقم الحالات المرضية، وظهور مقاومة دوائية، خصوصاً في حال الإفراط في استخدام المضادات الحيوية والمسكنات القوية".

يقول الطبيب همام محمد، أن "الأخطر في الظاهرة هو عيادات المضمّدين غير المرخصة التي تقدم حقناً وعلاجات بمبالغ زهيدة نسبياً في أحياء سكنية. بعض هؤلاء المضمّدين يفتقر إلى تدريب طبي كافٍ، ويعمل من دون إشراف صحي، ما يعرض المرضى لمخاطر التلوث والتشخيص الخاطئ والجرعات غير المناسبة".

وما يعزز هذه المخاوف تكرر الحوادث والمضاعفات المرضية. إذ يقول أبو حسين، وهو عامل بناء يعيش في محافظة ديالى: "تلقى ابني حقنة من أحد المضمّدين لعلاج التهاب بسيط، لكنها تسببت في مضاعفات استدعت نقله إلى المستشفى"، مضيفا القول في حديث صحفي، أنه "لو امتلكنا إمكانات مالية كنا سنتجنّب المخاطرة بحياة أبنائنا، لكن مراجعة الأطباء والفحوصات تحتاج إلى مبالغ خيالية تفوق قدرتنا"!

بين زيادة التكاليف وضعف الرقابة

في السياق، يقول الناشط في مجال الصحة المجتمعية باسل الشيخلي، أن "الكلفة المرتفعة للفحص والعلاج أصبحت عاملاً مباشراً لتفاقم الأمراض. بينما ساهم غياب الرقابة على الممارسات الطبية غير النظامية وضعف التوعية الصحية، في ترسيخ هذه الظاهرة"، مبينا في حديث صحفي أن "استمرار الاعتماد على حلول غير طبية سيرفع معدلات المضاعفات الصحية، ويزيد الضغط على المستشفيات الحكومية. كما سيؤدي إلى خسائر بشرية يمكن تجنّبها عبر توفير رعاية صحية ميسرة ومنظمة".

نقابة الأطباء تُحذّر

بدورها، تحذر نقابة الأطباء من خطورة اللجوء إلى الصيدليات والمضمّدين غير المرخصين كبدائل للأطباء. ويشدد عضو النقابة محسن إسماعيل، في حديث صحفي، على أن "تشخيص الأمراض ووصف العلاجات يجب أن يُحصرا في أطباء مؤهلين ذوي دور أساسي في حماية صحة المرضى ومنع المضاعفات".

ويدعو إسماعيل الجهات المعنية إلى "تشديد الرقابة على الممارسات غير القانونية وتنظيم عمل المضمّدين وتحجيم دور الصيادلة، وأيضاً إلى دعم القطاع الصحي الحكومي كي يستطيع استيعاب المرضى، ويقدم خدمات مجانية أو منخفضة الكلفة للفئات الهشة"، مشيرا إلى أن "ظاهرة اللجوء إلى الصيدليات والمضمدين بدلا من الطبيب، تعكس أزمة أعمق من كونها مجرد خلل صحي. فهي نتيجة مباشرة للفقر وتراجع منظومة الحماية الصحية. وحين يصبح العلاج امتيازاً ويصعب الحصول عليه يتحوّل المرض إلى مصير مفتوح على المخاطر"!