اخر الاخبار

بينما تتواصل شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية، يتجدد الجدل حول الدور الحقيقي لسعر صرف الدولار في هذه الأزمة، وحدود تأثير السوق السوداء والسياسات الاقتصادية المعتمدة على الاستقرار المعيشي. ففي وقت يحذّر فيه خبراء اقتصاد من اختزال المشكلة بسعر الصرف وحده، ويؤكدون وجود اختلالات هيكلية عميقة في آليات التسعير والرقابة والسياسات التجارية، تقلل الحكومة من خطورة تقلبات السوق الموازية، معتبرة إياها تذبذبات وقتية لا تنعكس على التضخم أو القدرة الشرائية. وبين هذين الطرحين، يبقى السؤال مفتوحا حول الأسباب الفعلية لغلاء الأسعار، ومدى قدرة السياسات النقدية والمالية الحالية على حماية السوق والمواطن من أي صدمات اقتصادية داخلية أو خارجية.

محاولة تبسيط للازمة

وقال الخبير الاقتصادي د. نوار السعدي، إن اختزال أسباب ارتفاع أسعار السلع في العراق بسعر صرف الدولار فقط يُعد تبسيطاً مخلاً لطبيعة الأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن المشكلة أعمق وتتعلق باختلالات هيكلية مزمنة في آليات التسعير والسياسات الاقتصادية.

وأضاف السعدي في تعليق لـ"طريق الشعب"، ان "سعر الصرف يعد عاملاً محورياً في اقتصاد يعتمد بدرجة عالية على الاستيراد، إلا أن هناك عوامل داخلية لا تقل تأثيراً، في مقدمتها ضعف الرقابة على الأسواق، وتعدد الرسوم والجبايات غير الرسمية، وارتفاع كلف النقل والتخزين، فضلاً عن اختلالات السياسة التجارية والجمركية وعدم استقرار القرارات الحكومية".

وأوضح أن هذه العوامل تجعل أي ارتفاع في سعر الدولار ينعكس سريعاً وبنسب أعلى على أسعار السلع، في حين لا تُترجم الانخفاضات في سعر الصرف بالسرعة أو الحجم ذاتهما، ما يكشف عن خلل بنيوي في آلية التسعير، وليس مجرد أثر نقدي مرتبط بسعر الصرف.

وفي ما يخص التضخم، حذر السعدي من أن استمرار الضغوط على سعر الصرف قد يقود إلى تضخم مستورد يتوسع تدريجياً ليشمل معظم السلع الأساسية، مع خطر تحوله إلى تضخم مزمن إذا ترافق مع تراجع الثقة بالسياسات الاقتصادية.

وتابع أن السيناريو الأسوأ يتمثل في تسارع معدلات التضخم، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما في حال استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار.

وبين أن احتواء تقلبات سعر الصرف جزئياً قد يُبقي التضخم عند مستويات مرتفعة لكنها مستقرة نسبياً، وهو سيناريو أقل خطورة، لكنه يظل مكلفاً اجتماعياً واقتصادياً.

وفي ما يتعلق بالحلول، شدد السعدي على أن الإصلاحات المطلوبة تتجاوز الأدوات النقدية، وتتطلب إصلاحاً اقتصادياً شاملاً يبدأ بتوحيد السياسة الجمركية، وتعزيز الشفافية في عمليات الاستيراد، وتطوير أدوات الدفع الداخلي، وتقليل ظاهرة "الدولرة" في التعاملات المحلية، إلى جانب دعم حقيقي للإنتاج المحلي وضبط الإنفاق العام غير المنتج.

وختم بالقول إن غياب هذه الإصلاحات سيُبقي الدولار المحدد الأساسي للأسعار في السوق المحلية، وسيجعل الاستقرار السعري هشاً ومعرض لأي صدمة داخلية أو خارجية، ما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين".

نظام سعر الصرف الثابت

فيما أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء المنتهية ولايته، د. مظهر محمد صالح، أن تذبذب أسعار النفط العالمية لا يرتبط بعلاقة مباشرة مع تقلبات سوق الصرف السوداء في العراق، طالما أن السياسة النقدية المعتمدة تقوم على نظام سعر الصرف الثابت، والمدعوم باحتياطيات قوية من العملة الأجنبية تتجاوز 100 مليار دولار، ما يوفر مظلة استقرار متينة لسوق النقد الأجنبي.

وأوضح صالح في تصريح لـ"طريق الشعب"، أن ما يُسجل من تقلبات محدودة في سوق الصرف السوداء لا يتجاوز كونه ردود فعل وقتية وغير مؤثرة، جاءت استجابة لإطلاق حزمة الانضباط المالي الأخيرة، التي تضمنت قرارات تستهدف إعادة فحص مسارات النفقات العامة، وتعزيز كفاءة الإيرادات، ولا سيما عبر توسيع وضبط الأوعية الضريبية والكمركية.

وبين أن مثل هذه التحركات تُعد سلوكا طبيعيا للأسواق عند تلقيها إشارات جديدة من السياسة المالية العامة، إذ تميل قوى العرض والطلب إلى اختبار هذه الإشارات والتكيف معها مرحليًا، قبل أن تعود إلى مسارات أكثر استقرارًا وانسجامًا مع الأسس الاقتصادية والمالية المستجدة.

وأشار إلى أن التذبذبات الآنية في السوق السوداء لا تعكس اختلالا هيكليا في سوق الصرف، بقدر ما تمثل مرحلة تكيف مؤقتة مع أدوات تنظيمية تهدف في جوهرها إلى تعزيز الاستقرار المالي والنقدي على المدى المتوسط.

ولفت صالح إلى أن هذه التحركات المحدودة في السوق الموازية لم تنعكس على استقرار المستوى العام للأسعار في البلاد، إذ لا يزال معدل التضخم عند حدود منخفضة تقدر بنحو 2.5 في المائة سنويا، وهو ما يعكس فاعلية مزيج السياسات الاقتصادية الكلية المعتمدة.

وعزا هذا الاستقرار إلى تضافر ثلاث سياسات اقتصادية رئيسية، تتمثل أولًا: في السياسة النقدية التي تعتمد سعر صرف رسمي ثابت للدينار العراقي مقابل الدولار عند مستوى 1320 دينارًا للدولار الواحد، ما يوفر مرساة اسمية مستقرة للأسعار. وثانيًا: السياسة المالية التي تمارس دعمًا واسع النطاق، إذ يشكّل الدعم نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يحد من انتقال الصدمات السعرية إلى مستويات المعيشة، ولا سيما في السلع والخدمات الأساسية.

أما السياسة الثالثة، بحسب صالح، فهي السياسة التجارية المرتبطة بالدفاع السعري، حيث تسهم السلة الغذائية المدعومة، إلى جانب منظومة الأسواق الحديثة (الهايبر ماركت)، في امتصاص تأثيرات ما وصفه بـ"الضوضاء الملونة" الناتجة عن المعلومات المشوشة في السوق الموازي، وتحويلها إلى استقرار سعري واستهلاكي فعلي.

وختم صالح بالتأكيد على أن سوق الصرف السوداء لم تعد ذات تأثير يُذكر على الحياة المعيشية اليومية للمواطنين، بعد أن انفصل أثرها عمليًا عن مستويات الدخل والاستهلاك، وانتقل تأثيرها بشكل أساسي إلى قطاع الأصول، وهو قطاع لا يرتبط مباشرة باستقرار المعيشة أو السلم الاجتماعي في البلاد.

ازدياد الضغوط على المواطنين

من جهته، يعلق الباحث الاقتصادي عبد الله نجم على موضوع ارتفاع الأسعار وارتباطه بسعر صرف الدولار قائلاً إن رفع الضرائب الأخيرة في العراق زاد من الضغوط على المستهلكين، خصوصاً أصحاب الدخول الثابتة والمحدودة.

وقال في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "أي سياسة ضريبية يجب أن تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، فرفع الرسوم والضرائب على الاتصالات والإنترنت والأدوية يزيد العبء المعيشي مباشرة، ويضاعف تأثير أي تقلبات سعرية في السوق الموازية، حتى لو كان الدولار مستقراً نسبياً".

ويشير نجم إلى أن الإصلاح المالي لا يقتصر على رفع نسب الضرائب، بل يحتاج إلى ضبط الإنفاق العام، ومعالجة الهدر والتهرب الضريبي، وتعزيز الشفافية في كل مستويات التحصيل، مؤكداً أن أي تجاهل لهذه الجوانب يحوّل الإجراءات الضريبية من أداة تنظيمية إلى عبء إضافي يفاقم معاناة المواطن اليومي.