اخر الاخبار

رغم دخول فصل الشتاء وموسم الأمطار، تشهد ناحية المشرح في محافظة ميسان أزمة جفاف خانقة بعد انخفاض حاد في مناسيب نهر المشرح، ما أدى إلى خروج معظم محطات ضخ المياه عن الخدمة وانقطاع المياه عن آلاف المنازل وعشرات القرى. الأزمة التي طالت شريان الحياة الوحيد للناحية دفعت الأهالي إلى شراء المياه، وسط غياب حلول حكومية حقيقية واستمرار المعاناة منذ أشهر، الأمر الذي يثير مخاوف متصاعدة من كارثة إنسانية وبيئية مع اقتراب فصل الصيف، في ظل تراجع الزراعة ونفوق المواشي وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان، خاصة ان النهر يروي ما يقارب ٥٠ الف نسمة.

المياه تبتلع دخل الأهالي

يصف عماد صيهود، أحد سكان وصيادي منطقة نهر المشرح، الواقع المأساوي الذي تعيشه المنطقة في ظل الجفاف التام، مؤكداً أن النهر فقد أبسط مقومات الحياة.

يقول صيهود إن عددا من محطات الإسالة المشيدة على جانبي النهر توقفت عن العمل، بينما لم تقدم الحكومة أية حلول للأزمة.

ويضيف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الاحتجاجات التي نظمها الأهالي لم تُفضِ إلى أي استجابة ملموسة، ما زاد من شعور السكان بالإحباط والعجز، موضحا أن أزمة المياه لم تقتصر على الشرب فقط، بل امتدت إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية: أصبح من الصعب حتى جلب المياه بواسطة الصهاريج (التناكر)، لعدم توفر المياه في مجرى النهر أساساً.

ويشير الى أن العائلات تضطر إلى إنفاق آلاف الدنانير يوميا لتأمين المياه، وهو عبء ثقيل لا تستطيع تحمله معظم الأسر، خصوصاً مع تدهور مصادر الرزق.

ويحذر صيهود من أن استمرار هذا الوضع ينذر بكارثة إنسانية وبيئية ما لم تتحرك الجهات المعنية بشكل عاجل لإيجاد حلول سريعة ومستدامة.

"المشرح" يهدد حياة السكان

من جانبه، قال الناشط البيئي من محافظة ميسان، مرتضى الجنوبي، إن الوضع الإنساني في ناحية المشرح "وصل إلى مستويات تهدد حياة عشرات الآلاف من السكان".

وأضاف الجنوبي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن جفاف النهر لم يكن حدثاً طارئاً، بل بدأ منذ نيسان 2025، حيث شهد النهر حالة من الجفاف المتقطع، إذ كانت المياه تنقطع لثلاثة أسابيع متواصلة ولا تعود إلا لأيام قليلة، قبل أن تنقطع مجدداً.

وتابع أن الأهالي خرجوا في تظاهرات احتجاجاً على هذا الواقع، إلا أن الأزمة استمرت دون حلول جذرية، موضحا أن نهر المشرح، المتفرع من نهر دجلة، جفّ اليوم بشكل كامل، رغم كونه المصدر الرئيس للمياه لأكثر من عشرين قرية وتجمعاً سكنياً.

وأكد أن الناحية، التي يتجاوز عدد سكانها 40 ألف نسمة، تعاني حالياً من انعدام شبه تام لمياه الشرب، ما اضطر الأهالي إلى جلب المياه من مناطق بعيدة وبكلفة عالية، مشيرا إلى أن المشكلة لا يمكن تحميلها للمواطنين أو ربطها بالتجاوزات على الحصص المائية.

ونبه الى أن النهر الرئيس نفسه جاف، ولا توجد أية إطلاقات مائية من جهة العمود أو من مناطق العمارة، ما يجعل الأزمة خارجة عن سيطرة السكان المحليين: "أن المياه تصل أحياناً لمدة أسبوع ثم تنقطع لأسابيع، ما جعل الحياة اليومية شبه متوقفة"، على حد قوله.

وذكر أن الأهالي باتوا يعتمدون كلياً على شراء المياه للاستخدام المنزلي، لأن محطة المياه القريبة صارت عاجزة عن تلبية الحاجة، بسبب شح الإمدادات وبُعد مصادر التزويد.

واختتم الجنوبي حديثه بالتأكيد على أن ناحية المشرح تعيش وضعاً مأساوياً حقيقياً، في ظل غياب أي حلول أو جهود خدمية ملموسة حتى الآن، محذراً من أن العام الحالي قد يكون الأسوأ، إذا استمر الإهمال دون تدخل عاجل من الجهات المعنية.

ست سنوات عجاف

إلى ذلك، حذر المهندس الاستشاري ماجد الساعدي، مدير زراعة ميسان، من تفاقم أزمة الجفاف التي تضرب منطقة المشرح، مؤكداً أن المنطقة تعاني منذ سنوات من ظروف قاسية غير مسبوقة بسبب التغيرات المناخية وشحّ المياه، ما انعكس بشكل مباشر على الزراعة وتربية الحيوانات ومعيشة السكان.

وقال الساعدي لـ"طريق الشعب"، إن منطقة المشرح شهدت خلال السنوات الخمس إلى الست الأخيرة تراجعاً حاداً في الموارد المائية، الأمر الذي أدى إلى جفاف الأراضي الزراعية بنسبة تجاوزت 95 بالمئة، متسبباً بانحسار كبير في الرقعة الزراعية وتضرر واضح في تربية المواشي، فضلاً عن تعثر زراعة المحاصيل الصيفية والشتوية.

وأضاف أن سكان المنطقة، من فلاحين ومربين، يواجهون معاناة كبيرة في ظل انعدام الحلول الفعلية، ولا سيما خلال السنتين الماضيتين، حيث باتت الأزمة أكثر حدة وتأثيراً على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للأهالي.

وأوضح الساعدي أن هذه الظروف أدت إلى انخفاض كبير في حجم الخطط الزراعية، مشيراً إلى أن منطقة المشرح كانت في السابق تزرع أكثر من سبعة آلاف دونم، إلا أن المساحات المزروعة تقلصت حالياً إلى أقل من ألفين وخمسمئة دونم فقط، نتيجة نقص المياه وجفاف الجداول.

وبين أن الجهات المعنية كانت تعوّل على سدة الدواريز كحل محتمل لإنقاذ عدد كبير من الفلاحين، إلا أن السدة متوقفة عن العمل ولم تحقق الغرض الذي أنشئت من أجله، ما حرم المنطقة من الاستفادة المتوقعة منها، خاصة في المناطق والجداول التي كان من المفترض أن تُغذى بالمياه من خارج نهر المشرح.

وأكد أن حجم المعاناة كبير ولا تلوح في الأفق أية حلول واضحة في الوقت الراهن، متأملاً أن يستعيد الوضع عافيته من خلال الموسم المطري الحالي، لإنقاذ ما تبقى من أراضي الناحية الزراعية.