طوال عقود من الزمن، ترسخت في الذاكرة الجمعية العراقية صورة ديالى بوصفها "محافظة البرتقال"، لأن بساتينها ومساحاتها الزراعية الواسعة، وحتى حدائق منازل السكان، كانت تتجمل بأشجار البرتقال ومختلف أصناف الحمضيات، ما شكّل رمزا لهوية المحافظة التي كانت تسوّق برتقالها وعديدا من أصناف فاكهتها ذات الطعم المميز، الى جميع محافظات البلاد، بل تصدر فائض محاصيلها إلى خارج البلاد.
أما اليوم – ووفقا لمراقبين للشأن الزراعي – فإن ديالى لم تعد تحمل تلك الرمزية كما كانت سابقا، ولم تعد ثمارها تملأ الحقول، بل لا تكاد تُرى حتى في الأسواق القريبة. فمن يدخل مدينة بعقوبة وبقية الأقضية البلدات والقرى، ومنها المُحاذية للحدود العراقية – الإيرانية، سيلاحظ أن اللون الأخضر بدأ ينحسر، بينما طغت عليه منازل ومبان كونكريتية عشوائية التصميم، أو أراض جرداء انهكها العطش وجرّدها من أشجارها.
مُزارع: ماتت بساتيننا!
في كل بلدات ديالى وقراها، تتعالى أصوات المزارعين اصحاب بساتين الحمضيات، مشتكين مما يصفونه بـ"الإهمال الحكومي الغريب المستمر منذ سنوات"، والذي كانت نتيجته اندثار مزارعهم وحرمانهم من مصدر عيشهم الأساسي الذي عرفوه طوال قرون.
يقول المزارع السبعيني أبو أحمد: "ماتت بساتيننا، ولم يعد للكثير منها أي أثر.. المشكلة لا تتعلق بالجفاف وقلة المياه فقط، بل ايضا بغلاء الأسمدة والمبيدات وقلة الدعم، وغزو المحاصيل المستوردة أسواقنا".
ويضيف في حديث صحفي قوله أن "هذا الوضع كبّدنا خسائر كبيرة، وفي النهاية اضطر الكثيرون الى تجريف بساتينهم وتقطيع اشجار البرتقال المعمرة فيها وتحويل الاراضي الى مناطق سكنية.. حدث هذا في الهويدر وخرنابات. فالزراعة لم تعد تؤمّن حاجاتنا المعيشية".
مزارع آخر: الدولة لا تحمينا!
من جانبه، يتحدث المزارع الستيني أبو حسين، وهو صاحب بستان في أطراف بعقوبة، عن أشجاره التي أماتها العطش وغياب الدعم الحكومي.
ويوضح في حديث صحفي أنه "لا فائدة.. أزرع وأبذل جهودا كبيرة في رعاية مزروعاتي، وأتعب سنة كاملة، ومع الموسم يأتي البرتقال المستورد ليباع في السوق بنصف قيمة برتقالنا.. الدولة لا تحمينا".
ويتابع قوله: "سابقا كان عطر القدّاح، أزهار أشجار الحمضيات، يفوح في ديالى، أما الآن فلا نشم سوى رائحة الدخان والغبار"، لافتا إلى أنه يفكر في بيع بستانه "كي ارتاح واخلص من هذا الهم. ماء الشرب يصلنا بواسطة سيارات حوضية، والأشجار تموت من العطش، ونحن نموت معها حسرات"!
سعر المستورد يناسب الزبائن
في السياق، يقول الشاب أحمد الكروي، وهو بائع فاكهة في سوق بعقوبة الكبير، أن أكثر البرتقال المتوفر في السوق مستورد، وسعره يُناسب إمكانات الزبائن، بينما يرتفع سعر المحصول المحلي، نظرا لارتفاع تكاليف الانتاج في غياب الدعم الحكومي.
ويشير في حديث صحفي إلى ان البرتقال المستورد مرغوب في السوق، لانخفاض سعره، لافتا إلى ان جميع ما لديه من فاكهة أجنبي "فالمستورد بات يتسيّد السوق".
ويبيّن الكروي أن "المواطن يبحث عن الرخيص. برتقال ديالى لا يعلى عليه بالطعم، لكن سعره مرتفع بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج، وبالتالي تراه يُباع في السوق بسعر 1500 دينار للكيلوغرام الواحد"، مضيفا القول أن "الزبون يرى شكل البرتقال المصري أو الإيراني جميلا، وسعره رخيصا، فيشتريه بألف دينار للكيلوغرام الواحد. أما البرتقال المحلي فقد أصبح عزيزا، وقليلون من يقصدوننا لشرائه.. انه أمر يحزننا نحن أبناء ديالى لكن هذا هو الواقع".
ويقول المواطن علي حسين، وهو كاسب يعيل أسرة من ستة أفراد، ان المواطن يبحث عما يناسب دخله.
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "نحن نشتري المستورد كونه الأرخص. لدي أطفال يريدون كل يومين برتقال، وأنا مضطر لأن اشتري لهم. المستورد سعره مناسب مهما كان نوعه.. المهم أن نأكل برتقالا بسعر رخيص".
لكن المواطن سعد الربيعي، وهو من سكان بعقوبة، يبدي امتعاضه من تراجع الواقع الزراعي، مطالباً الحكومة بالتدخل العاجل لإنقاذ ما بقي من زراعة، وتحديدا بقايا حقول وبساتين بعقوبة التي كانت ترسل منتجاتها الى اقصى منطقة في العراق.
ويُطالب وزارتي الزراعة والموارد المائية بالالتفات الى ديالى وحماية بساتينها، التي تشكل ثروة وطنية، من الضياع، مشددا على "ضرورة أن تدعم الحكومة الفلاح بالأسمدة وأن تضمن حصصا مائية معقولة له، وتمنع الاستيراد في موسم جني الفاكهة".
سلة العراق الغذائية في خطر
يكرر اختصاصيون التنبيه إلى ان سلة غذاء العراق الكامنة في محافظات نينوى وديالى وواسط، باتت في خطر حقيقي، نتيجة تراجع كميات المياه المخصصة للزراعة وتقلص الدعم الحكومي للقطاع الزراعي، فضلا عن غياب المبادرات الوطنية الهادفة إلى تطوير الزراعة وتحديث أنظمة وتقنيات الري.
وفي هذا السياق يقول المهندس الزراعي سعد محمد، ان "الفلاحين ينتظرون منذ سنوات حلولاً من السماء أو من الحكومة، والا ستستمر الجرافات في تحويل البساتين الخضراء إلى كتل كونكريتية، وسنشهد هنا في ديالى نهاية برتقالها الشهير ذي الطعم الذي لا يعوض". ويرى بأسف أن "مدينة البرتقال ستصبح اسماً بلا مسمى، ولقب الذهب البرتقالي الذي أطلق على بساتينها وحقولها سيغدو شيئا من الماضي"!