ليست الموازنة العامة مجرد أرقام للإيرادات والنفقات، ولا وثيقة مالية تخص الحكومة والخبراء وحدهم. إنها تعبير عن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للسلطة، تكشف أولوياتها وكيفية توزيع موارد البلاد وأعباء أزماتها. ومن هنا فإن السؤال الأهم هو: كيف يتم الانفاق، ولمن تذهب الأموال، ومن يدفع كلفة العجز؟
تثير مسودة موازنة 2027 هذه الأسئلة بإلحاح. فالإنفاق المقترح يتجاوز 217 تريليون دينار، بعجز يقدر بنحو 43 تريليوناً، وسط توجه إلى زيادة الاقتراض وفرض ضرائب ورسوم جديدة. وهذه أرقام تكشف حجم الاختلال المالي، وتدعو إلى مساءلة السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع، رغم مواردها النفطية الكبيرة.
والأخطر أن بعض المعالجات المقترحة تتجه إلى تحميل المواطنين أعباء إضافية. فالضرائب على بطاقات الهاتف والخدمات، والرسوم المختلفة، تنعكس على نفقات الأسر، ولا سيما محدودة الدخل. كما أن خفض قيمة الدينار، سيزيد كلفة السلع المستوردة ويضعف القدرة الشرائية للأجور والرواتب. وهكذا تتحمل الفئات الشعبية جانباً من كلفة الأزمة، بينما لا تظهر إجراءات مماثلة تمس الامتيازات الكبيرة ومصادر الهدر والفساد.
المشكلة ليست في الضرائب من حيث المبدأ، فهي أداة ضرورية لتمويل الخدمات العامة وإعادة توزيع الثروة. لكن عدالتها تتوقف على طبيعتها وعلى من يتحملها. فالضريبة التصاعدية على الدخول والثروات الكبيرة تختلف في أثرها الاجتماعي عن الرسوم التي يدفعها الغني والفقير بالمقدار نفسه. والعدالة المالية تقتضي أن يسهم الأكثر قدرة بالنصيب الأكبر، وأن تُوجَّه الإيرادات لتحسين حياة المواطنين.
أما الاقتراض، فلا يُقاس بحجمه وحده، وإنما بوجهة استخدامه. فالاقتراض الذي يمول مشروعات إنتاجية يختلف عن الاقتراض الذي يغطي إنفاقاً متضخماً من دون عائد اقتصادي واجتماعي مستدام. وإذا استمر تمويل العجز بالدين، مع بقاء الاقتصاد معتمداً على النفط وضعف الصناعة والزراعة، فإن الأعباء ستنتقل إلى السنوات المقبلة من دون معالجة أسبابها.
وتكشف الموازنة أيضاً مفارقة الاقتصاد العراقي: موارد نفطية ضخمة يقابلها عجز عن توفير فرص العمل والخدمات، التي يحتاجها المجتمع. فالإنفاق العام لم يتحول، بالقدر المطلوب، إلى قاعدة إنتاجية واسعة، فيما استنزفت المحاصصة والفساد والهدر جانباً من الموارد، وراكمت شبكات المصالح المرتبطة بالسلطة ثروات وامتيازات على حساب التنمية.
إن المطلوب هو موازنة تنطلق من حاجات المجتمع، وتحمي الأجور والحقوق الاجتماعية، وتعطي الأولوية للتعليم والصحة والسكن والإنتاج وفرص العمل، مع إخضاع الإنفاق والاقتراض لرقابة فعلية، ومكافحة الهدر والفساد، واعتماد نظام ضريبي أكثر عدالة.
ان الموازنة ليست اختباراً لقدرة الحكومة على جمع الأموال وسد العجز فحسب، وإنما هي اختبار لانحيازها الاجتماعي. والسؤال الذي ينبغي أن يحكم مناقشتها واضح:
هل تُوظَّف ثروة العراق لتحسين حياة المواطنين، وضمان العيش الكريم للكادحين والمهمشين، أم تستمر السياسات التي تحمي امتيازات طغمة الحكم المتنفذة، وتترك الأغلبية الشعبية تتحمل كلفة الأزمة؟