اخر الاخبار

لم تكن احتجاجات الفلاحين وأصحاب المعامل والسائقين خلال الأيام الماضية مجرد اعتراض على ارتفاع سعر الوقود. فما حدث يكشف مشكلة أوسع تتعلق باتجاه السياسة الاقتصادية، وبمن يتحمل كلفة قراراتها في النهاية.

رفع أسعار الوقود المجهز للآليات والمصانع دفع فلاحين وصناعيين وسائقين إلى الاحتجاج في عدد من المحافظات. ففي بعض معامل الطابوق ارتفعت كلفة حصة الوقود من ثلاثة ملايين إلى خمسة عشر مليون دينار، أي الى خمسة أضعاف، ما يهدد بتوقف معامل وتسريح عمال وارتفاع الأسعار. ولا تنحصر المشكلة في أصحاب المعامل وحدهم. فزيادة كلف الإنتاج تنتقل من الفلاح والصناعي إلى السوق، وتنعكس في النهاية في أسعار السلع وفي القدرة الشرائية للمواطن.

يتكرر الحديث منذ سنوات عن ضرورة التنويع في الاقتصاد، ودعم الصناعة والزراعة، وتقليل الاعتماد على موارد النفط. وفي الوقت الذي يفترض فيه أن تتجه السياسة الاقتصادية إلى فك هذا الارتهان، تأتي قرارات تزيد الأعباء على القطاعات المنتجة. وهنا يكمن التناقض.

فلا يمكن الخروج من الاقتصاد الريعي بإضعاف الإنتاج، ولا دعم الزراعة بزيادة كلفتها، ولا بناء صناعة وطنية فيما يصبح تشغيل المعمل أكثر صعوبة، بينما تبقى أبواب الاستيراد والتجارة والمضاربة أكثر يسراً وربحاً.

والمسألة ليست فنية فقط، ولا تتعلق بحساب سعر لتر الوقود. فالقرار الاقتصادي يعيد توزيع الأعباء والمنافع بين فئات المجتمع. وحين تعالج الدولة اختلالاتها المالية بزيادة كلفة الإنتاج، فإنها تنقل جانباً من أزمتها إلى الفلاح والصناعي والعامل وصغار المنتجين، ثم إلى المستهلك.

وفي المقابل، يواصل الاقتصاد الريعي تقديم خدمات واسعة لطغمة تستفيد من الاستيراد والعقود والمضاربات والارتباط بموارد الدولة ومراكز القرار، وترتبط مصالحها ببقاء الصناعة والزراعة ضعيفتين وباعتماد السوق العراقية على الخارج.

وهنا تكمن المشكلة في اتجاه اقتصادي طال أمده: إنتاج وطني يواجه الصعوبات، واستيراد يتوسع، وقطاعات منتجة تضعف، فيما تتسع أنشطة لا تضيف إلى الثروة الوطنية بقدر ما تعيد توزيعها لمصلحة أصحاب المال والنفوذ.

ليس المطلوب إبقاء الدعم بلا حساب، ولا غض النظر عن التهريب والهدر. المطلوب هو أن يكون الدعم جزءاً من سياسة واضحة المعالم: هل نريد أن ندعم الاستهلاك أم الإنتاج؟ ومن الأوْلى بالحماية، النشاط الذي يوفر عملاً وينتج سلعة ويضيف قيمة، أم اقتصاد المضاربة والاستيراد السهل؟

إن تنويع الاقتصاد لا يتحقق بالتصريحات. انه يبدأ من إعادة الاعتبار للعمل والإنتاج، ومن دعم الزراعة والصناعة، وتوفير الطاقة والتمويل والأسواق لهما، بما يوسع قاعدة المنتجين، ويخلق فرص العمل، ويقلل الارتهان للريع والاستيراد.

وفي المحصلة، تتعلق المسألة بالكلفة الاجتماعية للقرار الاقتصادي. فإذا كانت معالجة الاختلالات المالية تعني تحميل المواطن كلفة إضافية، بينما تبقى بنية الاقتصاد الريعي ومصالح المستفيدين منها على حالها، فنحن لا نعالج الأزمة، بل نعيد توزيع كلفتها على الفقراء ومحدودي الدخل والطبقات المحرومة، أي على من هم أقل قدرة على تحملها.

وفي هذا من الظلم بحق الملايين وبحق البلاد في الحاضر الراهن وفي المستقبل، ما لا يطاق ولا يحتمل.