اخر الاخبار

 

لم تكن المهندسة التي ظهرت في لقاء متداول على مواقع التواصل الاجتماعي تطلب امتيازاً أو تبحث عن وظيفة مريحة خلف مكتب حكومي. كانت تقف وسط المحتجين مطالبة بفرصة عمل حكومية بعد 17 عاماً من تخرجها، في مشهد يكشف حجم العبث الذي يعيشه خريجو البلاد، وخصوصا حين تتحول الشهادة الجامعية إلى ورقة معلقة على جدار البطالة.

لكن اللافت في حديثها لم يكن مطالبتها بالتعيين الحكومي بقدر ما كشف عن الوجه الآخر لما يسمى بـ "فرص العمل في القطاع الخاص". فعندما سألها المراسل: لماذا لا تعملين في القطاع الخاص؟ كانت إجابتها كافية: أكثر من 12 ساعة عمل يومياً، ثم عودة إلى المنزل من دون وقت حتى لغسل الملابس.

هكذا يريد البعض أن يحل أزمة البطالة: اذهبوا إلى القطاع الخاص، وكأن هناك آلاف الوظائف المقبولة بانتظار العاطلين. لكن أي قطاع خاص هذا الذي يراد دفع الشباب والنساء إليه؟ قطاع يستطيع فيه صاحب العمل أن يطالب العامل بساعات طويلة، بينما يبقى الأجر هزيلاً، والحقوق معلقة، والرقابة غائبة؟

المشكلة ليست في العمل في القطاع الخاص بحد ذاته، بل في قطاع خاص يريد اليد العاملة رخيصة، مطيعة ومتاحة طوال اليوم. يريد العامل حين يحتاجه، ويحسب عليه دقائق التأخير، لكنه لا يحسب له ساعات العمل الإضافية ولا الوقت الذي يسرق من حياته وأسرته.

والمرأة العاملة تدفع الثمن مضاعفاً. فهي لا تواجه تدني الأجور وطول ساعات العمل فقط، بل تواجه أيضاً بيئات عمل قد تفتقر إلى الحماية من التحرش والاستغلال. وعندما تصبح المرأة أمام خيار بين راتب لا يكاد يسد حاجاتها وبين بيئة عمل تهدد كرامتها وأمانها، فمن السهل أن نفهم لماذا تختار بعض النساء البقاء خارج سوق العمل.

والأكثر إهانة أن بعض أصحاب العمل يتعاملون مع حاجة النساء إلى الوظيفة بوصفها نقطة ضعف. كلما اتسعت البطالة، انخفضت قدرة العامل على التفاوض، وكلما ازداد عدد الباحثين عن العمل، أصبح من السهل فرض أجور زهيدة وساعات عمل مرهقة، لأن وراء العامل عشرات ينتظرون مكانه.

هنا يصبح السؤال موجهاً إلى الدولة قبل العامل: أين التفتيش العمالي؟ أين الرقابة على ساعات العمل؟ أين محاسبة المؤسسات التي تدفع أجوراً لا تتناسب مع الجهد؟ وأين الحماية الفعلية للعاملات من التحرش والابتزاز والاستغلال؟

ان وجود قانون للعمل لا يكفي إذا بقيت مواده عاجزة عن الوصول إلى مكان العمل. فالعامل لا يعيش داخل نصوص قانونية، بل داخل ورشة أو شركة أو مكتب، حيث يمكن أن يتحول "عقد العمل" إلى ورقة تمنح صاحب العمل سلطة واسعة، فيما لا يعرف العامل حتى أين يشتكي عندما تسلب حقوقه. ولذلك فإن ترديد عبارة "اذهبوا إلى القطاع الخاص" من دون الحديث عن إصلاح هذا القطاع ليس حلا للبطالة، بل تبرئة مجانية للدولة وتغطية على استغلال العمال.

تلك المهندسة التي تنتظر منذ 17 عاماً ليست بالضرورة رافضة للعمل. ربما هي، مثل آلاف العراقيين والعراقيات، ترفض أن تتحول الوظيفة إلى صفقة خاسرة: ساعات طويلة مقابل أجر زهيد، واستنزاف يومي مقابل غياب الضمان، والخوف مقابل لقمة العيش.

ليس المطلوب أن توظف الدولة كل خريج، لكن المطلوب أن تضمن أن العمل في القطاع الخاص ليس باباً لاستعباد العاملين. فالوظيفة ليست مجرد راتب، والعامل ليس آلة تعمل 12 ساعة ثم تعود إلى البيت لتلتقط أنفاسها.

بعد 17 عاما من البطالة، لا يجوز أن يكون السؤال: لماذا لم تقبلي بالقطاع الخاص؟ بل يجب أن يكون السؤال: أي قطاع خاص بنيناه حتى أصبحت المرأة تفضل البطالة عليه؟

وعندما يصل العامل إلى هذه القناعة، فالمشكلة لم تعد في العامل الذي "لا يريد العمل"، وإنما في سوق عمل يريد العامل بلا حقوق، والمرأة بلا حماية، والإنسان بلا وقت لحياته.