في بلد أنفق منذ 2003 أكثر من ثمانين مليار دولار على قطاع الطاقة ولا يزال أهلوه يكتوون على جمر الصيف وسط تجهيز كهرباء مُضحك مبكٍ.. في هذا البلد لم يعد غريبا أن تستيقظ مدن عديدة على حملات مداهمات واعتقالات، ليس لملاحقة الفاسدين وسارقي المال العام، إنما لإجبار أصحاب المولدات الأهلية على تشغيل محركاتهم بقوة السلاح وقوانين الطوارئ الخدمية!
المشهد الغرائبي الذي عاشه المواطنون اليومين الماضيين، يختصر حكاية بلد قررت حكومته -بمحض إرادتها وبكامل قواها - أن تتنازل عن سيادتها الخدمية، وتوكل مهمة إنارة بيوت مواطنيها لـ"أبو المولدة"، لتصبح تلك الإنارة رهينة لمزاج المحرك ومضخة الوقود!
السخرية الحكومية بلغت ذروتها مع إشراقة شهر أيلول. فبعد أن عجزت المنظومة الوطنية عن توفير أكثر من ست ساعات تجهيز، التفتت الهيئة العامة للضرائب فجأة وبأثر رجعي يعود لعشرين عاما، لتطالب أصحاب المولدات بضرائب تعجيزية تتراوح بين 50 إلى 140 مليون دينار للمولد الواحد! والأنكى من ذلك، أن وزارة النفط قطعت في الوقت عينه "الكاز المجاني" الذي كانت تمنحه لهم لتعويض عجز الصيف المشتعل، وحولته إلى وقود مدفوع الثمن بقيمة 400 دينار للتر الواحد، ما دفعهم إلى الاحتجاج عبر إطفاء مولداتهم، وبالتالي التبس أمر تشخيص الضحية: المواطن أم صاحب المولدة؟!
الدولة هنا لا تريد التنازل عن دورها كجابي أموال، لكنها تتنازل بكل رحابة صدر عن دورها كمنتج للكهرباء، لتضع المواطن البسيط في خط المواجهة الأول، محاصرا بين قامعي الاحتجاجات ولهيب الصيف وثقل النفقات الإضافية المُضنية التي سيتحملها لشراء هواء بارد!
هذا ما يفسر تماما المطالبات الشعبية المتهكمة على منصات التواصل، بتغيير اسم "وزارة الكهرباء" ليصبح "وزارة المولدات الأهلية"، باعتبارها الجهة الواقعية التي تدير حياة العراقيين وتتحكم بأمبيراتهم!
إن الحلول الأمنية وملاحقة متعهدي المولدات في زوايا الأحياء السكنية، هي اعتراف رسمي وعلني بفشل إداري وتاريخي لملف الطاقة. فالحكومة التي تعجز عن تشغيل محطاتها الوطنية وضمان حق المواطن بخدمات الطاقة، تحاول استعراض هيبتها عبر تشغيل المولدات بالإكراه، متناسية أن وجود هذه المحركات الضخمة في الأزقة هو بحد ذاته أكبر إدانة لوزارة الكهرباء.
العراقيون اليوم لا يحتاجون إلى استعراضات أمنية، إنما إلى دولة تحترم وعودها. فشر البلية ما يضحك في بلاد الغاز والنفط، حيث باتت هيبة السلطة تُقاس بزر تشغيل المولدة، وبمدى انصياع "المُشغّل" لقرارات السلطة على تخبطها وفوضويتها!