اخر الاخبار

بين آونة وأخرى، تهبُّ علينا بيانات رسمية محملة بلغة الوعيد والالتزام البيئي، تتحدث عن إغلاق معامل طابوق مخالفة، ومصانع أسفلت غير مرخّصة، ومطاردة كور صهر معادن على أطراف العاصمة. تنجلي الحملات الإعلامية، ويظن البغداديون أن هواءهم بات آمنا، لكن، ومن دون استئذان، تجتاح رائحة الكبريت الخانقة الشوارع والبيوت مجددا.. تصفع الوجوه وتخنق الأنفاس، وكأن شيئا لم يكن!

هذا التكرار الرتيب للظاهرة يضع أصحاب القرار أمام تناقض صارخ وفجوة عميقة لا يمكن تغطيتها بتصريحات تبريرية. فإذا كانت الجهات الرقابية تغلق المعامل المخالفة بالفعل، فلماذا تستمر الانبعاثات بالتدفق وبالكثافة ذاتها وأكثف؟! ومن أين تنبعث غازات ثنائي أكسيد الكبريت السامة إن كانت كل المصادر المخالفة تحت سيطرة يد القانون؟!

أغلب الظن أن الحملات الرسمية تركز على الكيانات الصغيرة وتتغاضى عن المنشآت الحكومية السيادية المحصنة! فوفقا لمراصد بيئية غير رسمية، فإن محطات توليد الكهرباء والمصافي الكبرى التي تحرق النفط الأسود الثقيل على مدار الساعة، هي المسبب الأكبر لهذه الأزمة. وهنا يكمن السؤال الأكثر إحراجا: كيف تطالب الدولة أصحاب المعامل الأهلية بتطبيق معايير البيئة، وهي عاجزة حتى اللحظة عن توفير وقود غازي نظيف لمنشآتها، وتستمر في تسميم أجواء مواطنيها كحل وحيد لاستمرار تدفق الطاقة؟!

من المُخزي جدا أن تتحوّل العاصمة، بكل ثقلها السكاني والتاريخي، إلى رهينة لظاهرة "الانقلاب الحراري" المناخية. إذ يضطر البغداديون إلى انتظار هبوب الرياح لتنظّف أجواءهم، في ظل غياب استراتيجية حقيقية تلزم المنشآت الكبيرة بتركيب فلاتر حديثة أو استبدال الوقود الرديء!

ووسط هذا التناقض بين بيانات السلطة وواقع الحال، يقف البغداديون أمام تصورين: الأول، هو أن مصادر الكبريت تمتلك قدرات خارقة تتحدى القوانين، فتعود للعمل والنفث من تحت الأرض فور مغادرة لجان التفتيش! أما الخيار الثاني – ويبدو انه الأقرب للمنطق والواقع – فهو أن الجهات الرسمية لا تقول الحقيقة ببساطة للمواطنين، وتبيعهم أوهاما بيئية لتغطية عجزها الفاضح!

إن صحةَ الملايين، لا سيما الأطفال وكبار السن الذين تكتظ بهم ردهات الطوارئ عند كل موجة كبريتية، ليست مجانية، ولا تحتمل حلولا ترقيعية مؤقتة دأبت عليها السلطات وترَبَّت.. الروائح الخانقة التي تملأ سماء بغداد تسقط كل يوم الروايات الرسمية، وتثبت أن الحل لا يبدأ بإغلاق معمل صغير هنا أو هناك، إنما بامتلاك الجرأة السياسية والبيئية لمحاسبة كبار الملوثين، وما أكثر الكبار المُحصّنين، أولئك المستثنون من تطبيق القانون!